الفصل 222
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
الفصل 222: ليلة نجمية مشرقة (1)
كانت ليلةً صافيةً خاليةً من السحب، تتلألأ في سمائها النجوم السابحة. راقب تيمور، “اللورد الحديدي”، ألسنة اللهب المشتعلة أمامه وهو جالس على بساط من الجليد الأبيض المتراكم. لقد مضى وقت طويل منذ أن قضى ليلةً خارج الجدران الفولاذية، ووقت أطول منذ آخر لقاء له بالرجل الذي يضحك أمامه الآن.
“متى فقدت سنك؟ هل ضربك أحد؟”
“نعم، لقد تلقيت ضربة.. من الزمن، لا أكثر ولا أقل.”
كانت ابتسامته مضحكة، ربما بسبب أسنانه الأمامية المفقودة، لكن ذلك العجوز الذي يتدفأ بجوار النار أمام “الكرة الفولاذية” كان يوماً ما فارس “بارانوف” الذي خلّد اسماً مجيداً. بمرور السنين، غمد سيفه وتقاعد، ولعل سبب سعادته الغامرة يكمن في تلك الذكريات الطويلة التي تقاسمها مع اللورد.
“لذا، أقترح عليك ألا تفرط في الشرب.”
“آه، على تلك الأيام الخوالي.. حين كنت شاباً، كنت أحتسي برميلاً كاملاً وأستيقظ في اليوم التالي بكامل نشاطي.”
أدار العجوز رأسه مسترجعاً سنوات الماضي، ونظر إلى المنزل المغطى بالثلوج البيضاء. كانت معظم المنازل المحيطة مبنية من جذوع الأشجار، إلا أن المنزل الذي يرمقه العجوز الآن كان قصراً فسيحاً شُيّد بعناية فائقة.
“لكن بعد كل هذه السنين، صار لي قصر خاص، لذا لا أظن أن حياتي ضاعت سدى.”
“حقاً؟”
نظر تيمور إلى تابعه السابق الذي يتحسر على مضي العمر، ثم ارتشف من زجاجة الخمر التي بيده. كان القصر الذي ذكره العجوز منحةً مباشرة من تيمور، هديةً تكريميةً لمكافأة ولائه الذي دام طوال العمر.
“على كلٍ، سمعت أنك تخطط لمواجهة رجال المركز؟”
“لا بد لي من ذلك. يقولون إنهم قادمون زحفاً، فماذا عساي أن أفعل؟”
“يا للهول! أشعر بقلبي يخفق بشدة لسماع أخبار الحرب بعد كل هذا الانقطاع.”
انفرجت أسارير العجوز ببهجة وهو يمسك بزجاجة الخمر الفاخرة التي أهداه إياها تيمور بنفسه. ومع ذلك، ارتسمت ابتسامة مريرة على وجه تيمور وهو يراقب حماس العجوز المتصاعد.
“لا بد أنك منشغل للغاية، ومع ذلك لم تنسني وجئت لزيارتي في خضم هذه الظروف..”
“وكيف لي أن أنساك؟”
تجرع تيمور ما تبقى في زجاجته، وأمال رأسه قليلاً كأنما نال منه التعب، لكن عينيه برقتا بقرارٍ حاسم.
“بالطبع لن أنساك.. يا فارسي المخلص.”
“ماذا؟”
*تشينغ!*
انعكست ألسنة لهب المخيم على نصل السيف. ذُهل العجوز حين رأى تيمور يستل سيفه بغتة، وتجمدت عيناه المتسعتان من الصدمة.
“لقد أحضرت معي ترياقاً لحالات الطوارئ، لكن يبدو أنه لا جدوى منه الآن.”
“اللورد تيمور..”
“في الحقيقة، ما شربتَه لم يكن خمراً.. بل كان سماً.”
فارسٌ مخلص رافقني طوال حياتي.. لكن من يقف أمامي الآن ليس سوى هاربٍ جبان يحاول الفرار من الموت. كان سماً زعافاً قادراً على قتل حصان ضخم، لكن تيمور رفع سيفه بصمت حين رأى العجوز يتجرعه دون تردد.
“..أرجوك، لا ترحل هكذا. ابقَ فارسي حتى النهاية.”
لعل هذه هي آخر هدية تقاعد أقدمها لك. فمن أجل تابعه الذي تخلى عن مبادئه، استعاد تيمور الشرف الضائع بضربة سيف صامتة.
*شوش-!*
طار رأس مستدير فوق النصل الحزين. انعكس وجه العجوز في سماء الليل الصافية وهو يرمق القمر المكتمل، قبل أن يهوي ببطء نحو سيده.
“..احرص على أن يكون القبر عميقاً، بحيث لا يعثر عليه أحد.”
“أمرك يا دوق.”
للاستعداد لحرب كبرى، عليك أولاً أن تتأكد من ثبات الأرض التي تقف عليها. شعر تيمور بالارتياح لأن استعداداته لم تكن متأخرة، لكن الحزن كان يعتصر قلبه.
شطب تيمور اسماً من الورقة التي بيده، وراقب نار المخيم وهي تخبو ببطء. ألقى بذكرى قديمة في الرماد المشتعل، وتجرع آخر رشفة متبقية.
***
“لا تثق بجوزيف بايزيد كثيراً.”
“لقد استهدفه الفاتيكان لسبب وجيه.”
كان هناك رجل يجلس وحيداً، مولياً ظهره لضوء القمر المتسلل عبر النافذة. كان شعره الأشقر يلمع تحت ضوء القمر المزرقّ في مشهد جذاب، لكنه لم يبدُ في حالة تسمح له بالاستمتاع بذلك الجمال.
“ما الذي قد يجنيه من هذا؟”
كان فلاد يقلب كلمات رودريغو الأخيرة في عقله، محاولاً سبر أغوار معناها الحقيقي.
“هل هي مكيدة لتقويض الشمال؟”
حاول الفارس العظيم من الحرس الإمبراطوري غرس بذور الشك في قلب فلاد، لكن تلك البذور ذبلت وتلاشت دون أثر. فثقة فلاد بجوزيف كانت راسخة؛ وكان من المنطقي أن يشك في رودريغو بدلاً من جوزيف، سيده وولي أمره الذي ساعده ليصبح على ما هو عليه اليوم.
*طرق، طرق.*
“…!”
هل كان مشتتاً بسبب همومه؟ لقد فات الأوان حين انتبه فلاد للظل الأسود الذي يطرق النافذة. اقترب ذلك الظل بصمت مطبق، وكان خفياً لدرجة أن حواس فلاد الحادة لم تلحظه، بل كان ماهراً بما يكفي لخداع “إحساس المانا” الذي نشره في المكان.
“رياح الليل باردة، هل تفتح لي النافذة؟”
“ماركوس؟”
وبما أن النافذة كانت واسعة، تسلل منها الداخل. لم يستطع فلاد إخفاء دهشته لرؤيته في هذا المكان غير المتوقع.
“كيف وصلت إلى هنا؟”
“لدي أمر هام لأخبرك به.”
تسلل “غراب بايزيد”، ماركوس، عبر النافذة وكأن شيئاً لم يكن، وجلس إلى طاولة الضيوف. كان مشهد تناوله لإبريق الشاي الساخن وسكبه لنفسه طبيعياً لدرجة جعلت فلاد عاجزاً عن الكلام.
“بالمناسبة، لا تزال تناديني بماركوس.”
“هل غيرت اسمك مجدداً؟”
“اسمي الآن ساندور.”
تحول من متسلل إلى ضيف؛ ذلك الرجل الذي غطت الندوب وجهه حتى طمست ملامحه الأصلية، ارتشف الشاي ثم سلم رسالة إلى فلاد في صمت.
“ما هذه؟”
لا إله إلا الله محمد رسول الله. مَجَرّة الرِّوَايات تذكركم بذكر الله.
“رسالة موجهة إليك من الكنيسة الأرثوذكسية الشمالية. وبشكل أدق، من اللورد غونتر، القائد الثاني لفرسان الكنيسة.”
تذكر فلاد الفارس المقدس الذي واجه معه “المرأة السوداء” في “موشيام” الضبابية، وتناول الرسالة من ماركوس بسرعة.
“أين رأيت هذه الوثيقة من قبل؟”
“إنه صك غفران.”
ضم الظرف عدة أوراق؛ إحداها كانت رسالة بخط غونتر، أما البقية فكانت مستندات رسمية ذات تنسيق صارم. كما كان متوقعاً، عرفها فلاد على الفور.
“لماذا تعطيني هذا؟”
كان الآخرون يلهثون وراء مثل هذه الوثائق، أما بالنسبة لفلاد، فلم تكن سوى ذكرى أليمة. وبخلاف الفاتيكان الدنيوي، لم تكن الكنيسة الشمالية تمنح صكوك الغفران بسهولة، لذا كان من الطبيعي أن يشعر فلاد بالارتباك وهو يتسلمها. كانت تحمل توقيع البابا شخصياً. إذن، لماذا..؟
“الكنيسة الشمالية تريد منك قتل شخص ما.”
صك غفران صادر عن قائد فرسان الكنيسة، وموقع من البابا المبجل، ومسلم بيد “سيف بايزيد الخفي”. ابتلع فلاد ريقه بصعوبة، مدركاً أن الثمن المطلوب مقابل هذا العفو لن يكون هيناً.
“من يريدون مني أن أقتل؟”
ساور فلاد شعور مشؤوم وهو يتفرس في وجه ماركوس، لكن ملامح الرجل المشوهة لم تبدِ أي تعبير.
“جوزيف بايزيد.”
رنّ صدى فنجان الشاي وهو يسقط من يد ماركوس، متزامناً مع خفقة قلب فلاد العنيفة.
“يريدون منك القضاء على تلك الوصمة في الشمال، التي أبرمت عهداً مع قوى خبيثة.”
ارتجفت يدا فلاد لسماع ذلك الاسم المألوف. جوزيف بايزيد؛ الاسم الذي نطقه “الغراب” كان أول من احتضنه في هذا العالم، وكان الركيزة التي قام عليها عالم فلاد بأكمله.
“لأن الأرض..”
*دوويّ!*
أراد فلاد الاستفسار عن هذا الوضع غير المفهوم، لكن جسده اهتز بعنف إثر دويّ انفجار هائل في مكان قريب.
“..يبدو أنني تأخرت قليلاً.”
– هجوم! العدو يقتحم المكان!
– لقد استهدفوا السجن الموجود تحت الأرض!
تصاعد دخان كثيف في الخارج، وتعالت صرخات الجنود المذعورة. اهتزت الرؤية أمام عينيه، لكن فلاد سارع بالنظر عبر النافذة المحطمة.
[أطلق هالتك يا فلاد، إنه يراقبك.]
وكما حذر “كيهانو”، كانت هناك أعين ترصد فلاد من الخارج. كان الرجل الواقف فوق برج الجرس البعيد شاحباً كأنما سُلبت منه الألوان، لكن الضغط الذي كان يمارسه فاق أي فارس قابله من قبل.
“..فراوسن.”
*دوم! دوم! دوم!*
كان قلب فلاد يقرع بعنف. العالم الذي سانده طوال هذا الوقت تزلزل تحت قدميه، لكن صرخة سيفه المتألق أخبرته بوضوح أن عليه مواجهة الشخص الذي أمامه.
***
– أوقفوهم!
– سحقاً لهم!
“يا له من دخول صاخب.”
قبل لحظات، كان سجناً مظلماً لا يزوره الضوء، والآن صار فجوة واسعة تكشف عن كبد السماء. أطاح “ياجر”، وهو يهبط السلم شبه المنهار، بالحراس الذين اعترضوا طريقه، ثم أشار إلى جوزيف خلفه: “هيا يا لورد جوزيف.”
“..لا داعي لهذا.”
رداً على كلمات جوزيف، نفض ياجر غبار الحجارة عن رقعة عينه وهز رأسه في صمت.
“لا تقلق بشأني. لولا السيدة أوكسانا، لكنت في عداد الموتى منذ زمن بعيد.”
أكرس سيفي لمن آمن بي. كان الفارس ذو العين الواحدة، الذي رافق السيدة أوكسانا من عائلة “أوسكار” إلى “بايزيد”، يدرك أن الوقت قد حان ليضحي بشرفه من أجل ابنها.
“أرجوك، افعل ما تراه صواباً وما تمليه عليك رغبتك. آمل أن تمضي قدماً يا لورد جوزيف.”
“…”
لقد كان فارساً عنيداً منذ اللقاء الأول. أدرك جوزيف أن الإقناع لن يجدي نفعاً مع ياجر، فهبط الدرج مسرعاً لينفذ ما عزم عليه.
“ضيق التنفس هذا مريح.. هل هكذا يعيش الناس عادة؟”
كان الجو قارساً، والمنحدر وعراً، والسيوف السوداء تتطاير في كل مكان، ومع ذلك لم يرتجف جسد جوزيف قيد أنملة. وبشعور غامر بالتحرر، اندفع جوزيف نحو أعمق نقطة في الزنزانة. لطالما كان خفقان قلبه المتسارع عبئاً عليه، لكنه اليوم كان يشعر بسعادة غامرة.
– هل أنت..؟
“لقد جئت لأن راماشتو أرسلني.”
في أعمق ركن من زنزانة “أرنشتاين”، كان هناك فارس بلا رأس يطفو مقيداً بالأغلال. كانت السلاسل ملفوفة بأوراق نُقشت عليها ترانيم مقدسة في كل جانب.
*طق!*
بضربة واحدة، حطم ياجر القفل. بدا عالم ياجر أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، وقد تملكه إصرار شديد. “سأخرجك من هنا.”
ما كان سماً للموتى لم يؤثر في الأحياء. وتحت ضوء النجوم، مد جوزيف يده نحو ذلك الكيان الشرير.
“..السماء صافية اليوم. حتى لو كانت حقيقتي مشوهة وقبيحة، ما زلت أرغب في التألق.”
رغم أن جوهره كان ضعيفاً ومتهالكاً، إلا أن رغبته في السطوع لم تخمد. لذا، اتخذ جوزيف قراره.
“حتى لو كنت قابلاً في مكان لا يراه أحد، فإن لهيبي المتقد منذ الآن سيكون ساطعاً كنجوم السماء.”
*سسس!*
كل شيء في الحياة يعتمد على الخيارات. ومع أنه لم يملك قرار ولادته، فقد قرر جوزيف أن تكون ميتته بالطريقة التي يختارها هو.
========================================
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
[تعليق المترجم: 💬 لا تنسو وضع تعليق كدعم لي استمرار في تنزيل • وتابعوني على تيك توك lordofthemysteries3 للي يبي يدعمني ويسوي متابعة! 💬]

تعليقات الفصل