تجاوز إلى المحتوى
سيد السيف المحتضن للنجوم

الفصل 24

📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚

========================================

الفصل 24:

في صباح اليوم التالي لإبرام الصفقة مع فلاد، توجه جوزيف إلى غرفة الطعام، ملتزمًا بتقليد عائلة بايزيد في قضاء صباح واحد على الأقل معًا أسبوعيًا. كانت طاولة الطعام الطويلة مرتبة بأناقة ومغطاة بمفرش أبيض، غير أن الأطباق الموضوعة عليها لم تكن توحي بفخامة تليق بمنزل نبيل قوي.

“لنأكل.”

بدأ الإفطار في منزل بايزيد بصلاة، استهلها رأس العائلة، الكونت بيتر، يليه الابن الأكبر روتجر، ثم الابن الثاني جوزيف مع والدته أوكسانا، الزوجة الثانية للكونت. اجتمعت العائلة بأكملها، لكن الصمت ساد المكان، ولم يُسمع سوى رنين أدوات المائدة.

“لقد أحضرتُ قطعًا مقدسة باركها الكاهن.”

كسر الكونت بيتر حاجز الصمت ملتفتًا إلى ابنه الأكبر روتجر: “خذها معك في هذه المهمة.”

أجاب روتجر بثقة: “أثق بسيفي أكثر من ثقتي ببركة الآخرين يا أبي.”

“ليكن كما تريد.”

كانت نبرة روتجر الواثقة، بصفته الأخ الأكبر، تجعل جوزيف يشعر بالضآلة، رغم أن روتجر لم يتعمد ذلك.

“…”

كانت أوكسانا تنظر بشفقة إلى جوزيف الذي لم يجد مفرًا من الانكماش على نفسه. قالت: “جوزيف، تناول دواءك بعد الإفطار، فهو مفيد لكاحلك.”

“شكرًا لكِ يا أمي.”

للأخ الأكبر ذخائر مقدسة لدرء الأخطار، وله هو مجرد دواء لجروحه.

“…”

لطالما حاول جوزيف أن يظهر بمظهر القوي، لكن شعورًا عميقًا بالنقص ظل يثقل كاهله طوال سنوات. أبٌ يحاول الاعتناء بأبنائه بطريقته، وأمٌ تراقب ابنها المنكسر، وإخوةٌ لا يكفون عن مقارنة أنفسهم ببعضهم البعض؛ وحده الصمت البارد كان يخفي تلك المشاعر المعقدة.

***

بعد إفطار طويل وصامت، توجه جوزيف مسرعًا إلى مكتبه. وفي الطريق، قدمت له والدته كوبًا من الشاي، وكان عناقها دافئًا ومريحًا لدرجة جعلت من الصعب عليه الانفصال عنه. كان جوزيف رجلاً لا يهدأ، يشعر دائمًا بضرورة الركض بأقصى سرعة. تسللت أشعة شمس الصباح عبر الممر الرخامي الأبيض، لكنها لم تكن كافية لتنير كل زاوية فيه.

“…”

في كل مرة كان يمر فيها ببقعة مظلمة لم تصلها الشمس، كانت ملامح جوزيف تتجمد؛ فالسموم التي تغلي في داخله كانت تنعكس قسوةً على وجهه. ولكن بمجرد وصوله إلى باب مكتبه، تبدل جموده إلى حيرة.

“يا لك من أحمق!” صرخ شخص ما من الداخل.

“ماذا يحدث؟” تساءل جوزيف وهو يدير مقبض الباب. في الداخل، رأى ضوء الصباح الساطع وأشخاصًا في انتظاره.

“مرحبًا بك، اللورد جوزيف.”

“سيدي، لقد وصلت؟”

كان زيار يمسك برأس فلاد، بينما انكمش غوت على نفسه كسلحفاة مذعورة من المشهد العنيف.

“لماذا أنت مقيد مجددًا؟”

بمجرد رؤيتهم، شعر جوزيف بهدوء يسري في جسده، وتلاشت تلك المشاعر الغريبة التي كانت تؤرقه. الهدوء والثقة؛ هذا ما كان يمنحه إياه هؤلاء الأشخاص.

“آه…” تنهد زيار بعمق وكأن الكلمات تخرج منه بصعوبة، ثم أشار إلى صندوق موضوع على مكتب جوزيف: “هذا الصندوق… أرسله اللورد روتجر.”

“أخي؟”

كان روتجر وجوزيف أخوين من الأب نفسه لكن من أمهات مختلفات. كانا متناقضين تمامًا في طباعهما، ويحمل كل منهما طموحًا لخلافة منصب الكونت، لذا لم تكن علاقتهما تسمح بتبادل الهدايا، ناهيك عن أن روتجر لم ينبس ببنت شفة خلال الإفطار.

“ما الخبر؟”

بدأ فلاد يهز رأسه بينما قرأ جوزيف الرسالة المرفقة بالصندوق.

“… فهمت.”

أغلق جوزيف الرسالة بعناية بعد أن استوعب الأمر، ثم قال: “هذا لك، يمكنك أكله.”

“عفوًا؟”

“هل يمكنك إنهاء ذلك في عشر دقائق؟”

كان الصندوق الذي أرسله روتجر مليئًا بالفول السوداني. التفت جوزيف إلى زيار، فأومأ فارسه المخلص برأسه متفهمًا.

“سأقوم بجولة في الأرجاء.” قال جوزيف ثم استدار مغادرًا المكتب.

“أي أحمق يفعل ذلك لمجرد أن أحدهم أمره!” تناهى صراخ زيار إلى مسامع جوزيف بينما كان الباب يغلق.

“لم آكل شيئًا لأنك طلبت مني ألا أفعل!”

“هل قلتُ ذلك حقًا؟”

“لقد نفذتُ ما أمرتني به!”

“ومنذ متى وأنت تطيع أوامري بهذه الدقة؟”

استمع جوزيف إلى الجدال الدائر خلفه وابتعد بصمت.

“هل حان وقت تفتح الزهور؟”

حتى في الزوايا المظلمة التي لم تصلها الشمس، استطاع جوزيف أن يبتسم.

***

“من اليوم، ستعمل في الإسطبلات. ستعتني بخيول فرساني وستكون تابعًا لوالدتي، الكونتيسة أوكسانا، كعامل مياومة.”

“شكرًا لك، اللورد جوزيف!”

أخيرًا تحققت رغبة غوت؛ فمقابل مبلغ كبير من الذهب، تم توظيفه كخادم في عائلة بايزيد.

“سأبذل قصارى جهدي!”

“يمكنك الانصراف.”

غادر غوت المكتب وعلى وجهه ابتسامة عريضة، فقد حصل على وظيفة مستقرة ومريحة وبأجر جيد. وبما أن جوزيف هو من وظفه شخصيًا، فلن يجرؤ أحد على ترهيبه. ومع ذلك، كان لا يزال يشعر بالجوع، وظل يختلس النظر إلى الصبي الأشقر. لم ينتهِ الأمر بعد؛ فرغم استيائه الحالي من الخطأ السخيف الذي ارتكبه فلاد بالأمس، إلا أنه كان واثقًا من أن هذا الصبي سيصل إلى مكانة عالية. غادر غوت المكتب بصمت وهو يترقب ما سيحدث مستقبلاً.

التفت جوزيف لينظر إلى فلاد بجدية. كان زيار لا يزال يبدو منزعجًا، بينما كان فلاد يملأ شدقيه بحفنة من الفول السوداني، وبدا أحد خديه منتفخًا ربما بسبب ضربة من زيار.

“من الآن فصاعدًا يا فلاد، أنت رسميًا ‘درع’ لزيار. لقد تغاضيت عن سلوكك الفظ سابقًا احترامًا لك، لكن الأمر سيختلف من الآن. هل تفهم؟”

“نعم.”

“أراك قليل الكلام.”

“… نعم.”

“سيوضح لك زيار تفاصيل الحياة في القصر. يمكنك الانصراف.”

بمجرد خروج فلاد، أفصح جوزيف عما يجول في خاطره لفرسانه المخلصين: “لن يكون التعامل معه سهلاً، فهو شخص لا يمكن التنبؤ بتصرفاته.”

علق زيار: “بالإضافة إلى ذلك، فقد عاش حياة قاسية، مما جعل شخصيته متمردة.”

تنويه: الشخصيات هنا وهمية، مَــجـ.رّة الرِّواي.ات تذكركم بأن الواقع أجمل بذكر الله.

“أوافقك الرأي،” قال جوزيف وهو ينظر إلى الباب الذي دفعه فلاد بقوة عند خروجه، “لكن عليّ فعل ذلك؛ فلن يعترف والدي بي ما لم أحقق إنجازًا ملموسًا بامتلاك فارسي الخاص.”

“أفهم ذلك…”

كان جوزيف يطمح لامتلاك فارس خاص به، فارس يقوم هو بتربيته وتدريبه. فرغم وجود زيار بجانبه، وهو فارس موهوب قدمته له والدته الكونتيسة أوكسانا، إلا أن الوضع كان مختلفًا. زيار نشأ في كنف عائلة أوكسانا، عائلة “أوسكار”، وسُلّم إلى جوزيف عند ولادته؛ مما جعله فارسًا لعائلة بايزيد بالتبعية، لكن ولاءه المطلق كان لجوزيف وأوكسانا فقط، لذا لم يكن يُعتبر فارسًا “بايزيديًا” أصيلاً من الناحية الفنية.

كان جوزيف بحاجة إلى فارس يحمل لقب عائلة بايزيد بجهده الخاص، لا بفضل والدته.

“سأبذل قصارى جهدي.” غادر زيار المكتب وهو عازم على تحقيق تطلعات سيده.

“…”

عند خروجه، وجد الصبي الأشقر في انتظاره بملامح ساخطة.

“تشه.”

كان هذا هو نوع الفتيان الذين سيتعين عليه التعامل معهم من الآن فصاعدًا.

“اتبعني.”

“حاضر.”

لقد اختار جوزيف هذه المهمة، وكان على زيار الامتثال لقرار سيده وتنفيذ إراده؛ فهذه هي جوهر الفروسية.

“هذه هي غرفة الطعام. للفرسان قاعة خاصة بهم، بينما يتشارك الخدم والخادمات القاعة الأخرى.”

“فهمت.”

كان الصبي صعب المراس حقًا، لكنه كان يمتلك إمكانات تنبئ بنتائج باهرة.

“وهذه ساحة التدريب. هنا ندرب أجسادنا قبل سيوفنا. يمكنك سؤال الفتية هنا عن كيفية استخدام المعدات.”

استمر زيار في جولة تعريفية لفلاد بمرافق عائلة بايزيد. كانت المرافق تتسم بالخشونة، لكنها كانت أفضل بكثير مما يقدمه الفرسان الآخرون لخدمهم.

“هذه غرفتك، وهي غرفة خاصة.”

“أوه.”

من ردة فعله، أيقن زيار أن فلاد سيتأقلم سريعًا مع بيئة عائلة بايزيد الغريبة عليه.

“هل تعجبك؟”

كانت غرفة صغيرة لا تكاد تتسع لسرير، لكن فلاد ابتسم برضا وقال: “الأرضية ليست ترابية، وهناك سرير أيضًا. هذا بالنسبة لي قصر.”

“لقد نسيتُ للحظة أنك قادم من الشوارع بسبب صدمة لقائنا السابق.”

معظم من يأتون إلى هنا هم أبناء عائلات متعلمة، لكن بمجرد انضمامهم كمتدربين، يتعين عليهم البدء من الصفر. ورغم تمتع الكثيرين بلياقة بدنية جيدة، إلا أنهم يفشلون في التكيف مع التغيير المفاجئ في البيئة وطريقة المعاملة. أما بالنسبة لفلاد، الذي عاش كالأعشاب البرية، فقد كانت هذه الغرفة بمثابة جنة.

“همم.” لن يواجه صعوبة في التأقلم طالما تجنب ارتكاب الأخطاء.

“اتبعني.”

تبع فلاد زيار وهو يحاول استيعاب كل تفصيلة في محيطه. بالأمس، أحرج نفسه حين جرفه حضور روتجر الطاغي، لكن بالنسبة لشخص مثله بدأ من الصفر، كان سرعة البديهة هي وسيلته الوحيدة للبقاء.

“همم؟”

لمحت عينا فلاد سيدة تسير برفقة الخادمات، كانت ذات شعر أخضر مصفف بأناقة.

“إنها السيدة أوكسانا، والدة اللورد جوزيف. تذكر أن تكون مهذبًا كما تعلمت.”

“حاضر.”

كان الالتزام بالأدب أصعب ما يواجهه فلاد الذي نشأ في أزقة لا يُسمع فيها سوى السباب. أن يكون مهذبًا، ويحترم النبلاء، ويحني رأسه؛ كل هذه كانت أمورًا غريبة عليه. لكنه أدرك أن عليه التكيف مع انضباط هذا المكان، فإقامته هنا ستمتد لسبع سنوات، ومن الأفضل له التأقلم سريعًا.

“…”

رغم أنه لم يتعلم قواعد الإتيكيت إلا منذ يوم واحد، إلا أنه استجمع كل ما يتذكره وانحنى برأسه احترامًا. وبينما ظنا أن أوكسانا ستمر بجانبهما، اتجهت نحوهما ببطء. ابتلع فلاد ريقه بتوتر.

“زيار، فارسي المخلص، طاب صباحك.”

“طاب صباحكِ يا سيدتي.”

رفع زيار رأسه للتحية، وفعل فلاد مثله بسرعة وهو يراقب الموقف.

“أهذا هو الصبي؟”

“نعم يا سيدتي، هو الذي أحضره اللورد جوزيف بنفسه.”

“فهمت.”

اعتاد فلاد التعامل مع الرجال الغلاظ، والنساء المبتذلات، والمحتالين؛ لذا كانت النبيلة أوكسانا نموذجًا لم يسبق له مثيل في حياته.

“شكرًا لك،” قالت أوكسانا، “لقد أنقذت حياة ابني، أليس كذلك؟”

أجاب فلاد: “لقد قمت بواجبي فقط…”

لو التفت فلاد قليلاً لرأى نظرات زيار التي تحثه على الإسراع في الكلام.

“سأكافئك بالتأكيد، فما فعلته يفوق توقعاتي.”

“شكرًا لكِ…”

كاد فلاد أن ينحني شاكرًا، لكنه تجمد مكانه حين اقتربت أوكسانا فجأة ومسحت على رأسه قائلة: “لون شعرك جميل، ويتماشى تمامًا مع عينيك الزرقاوين.”

“…”

أراد فلاد قول شيء ما، لكنه ظل متصلبًا وهو يقلب عينيه بذهول. في تلك اللحظة، شعرت أوكسانا برائحة مألوفة، رائحة تثير الحنين.

“كتفاك عريضتان رغم نحافتك، سيكون من الأفضل لو زاد وزنك قليلاً.”

طوال حياته في الشوارع، تعامل فلاد مع الكثير من النساء وكان يظن أنه محصن ضدهن ويجيد التعامل معهن، لكنه الآن لم يستطع سوى النظر إلى الأرض عاجزًا عن نطق كلمة واحدة، كأنه “أخرس في مأدبة”. كانت نظرة أوكسانا إليه تحمل شيئًا لم يره في امرأة قط؛ غرق فلاد في تلك النظرة التي لم يختبرها منذ زمن بعيد حتى نسي كنهها. كانت هذه المرة الأولى التي يشعر فيها بأنه الطرف الأضعف.

“أتركه في عهدتك يا سير زيار.”

“تحت أمركِ يا سيدة أوكسانا.”

لم يملك زيار سوى الإيماء برأسه امتنانًا. وبعد رحيلها، التفت فلاد الذي ظل متصلبًا نحو زيار الذي بدا متوترًا هو الآخر.

“هل أحسنتُ التصرف…؟”

“… إلى حد ما.”

نظر الصبي بعيدًا وهو يحك عنقه، محاولاً تبديد ذلك الشعور الغريب الذي سرى في أعماق صدره.

========================================

📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚

========================================

[تعليق المترجم: 💬 لا تنسو وضع تعليق كدعم لي استمرار في تنزيل 💬]

التالي
24/181 13.3%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.