الفصل 71
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
48: الفصل 71 – السيدة زيمينا (2)
تردد صهيل حصان في الهواء. كلما زاد وضوح رؤيتك للعالم، زاد وضوح حدودك؛ كانت حدود أسوار القلعة المحاطة بالبشر واضحة كوضوح لون الحصان الأسود… كان من الصعب على الطفل والحصان الأسود اللامع الاندماج مع بقية العالم. وقف فلاد والحصان الأسود عند تلك الحدود البشرية، ونظرا نحو أسوار “سوارا”.
***
“هل عدت؟” سأل راموند وهو يرتشف مشروبه، مخاطبًا الصبي الذي كان يصعد السلالم. كان الضيفان الوحيدان في النزل -الذي لم يفتح أبوابه بعد- هما رجل مسن وطفل. كان صوت راموند الهادئ والرخيم كافيًا ليصل إلى مسامع الصبي، رغم أنه تحدث بنبرة منخفضة.
“هل كان الأمر فعالًا؟”
“قليلًا.” أجاب فلاد على سؤال العجوز وهو يلعق شفتيه بأسف.
“أعتقد أن ذلك البربري لم يخدعك بكلام فارغ.”
“حسنًا، البرابرة هم أدرى الناس بما يحدث في السهول.”
مع هذه الكلمات، ظهرت باقة من الزهور الحمراء في مجال رؤية راموند بينما كان يشرب. كانت ورودًا؛ باقة زاهية في يد الصبي تخطف الأنظار بجمالها.
“أنا متأكد من أنه يحبها.”
“يقولون إنها تجذبه.”
في اليوم الذي عاد فيه فلاد أخيرًا إلى “سوارا” بعد نجاته من مطاردة البرابرة، شعر بأسف شديد لرفض الحصان الأسود الدخول. وبينما كان فلاد حائرًا لا يدري كيف يتصرف حيال رفض الحصان دخول أسوار القلعة المكتظة بالبشر، ابتسم رجل بربري غطت الوشوم وجهه وقال: “هذا الفتى يحب اللون الأحمر”، مشيرًا إلى الخيط الأحمر الذي يربط شعره.
“لم أكن أعلم أن الخيول البرية تنجذب للورود المتسلقة.”
“أعتقد أنها طريقة اكتشفتها بحدسي؛ فهي تتفاعل بحساسية مع الحرارة.”
تعيش الخيول البرية على رعي العشب، لذا من الطبيعي أن تكون حساسة للبرد، فالسهول الجليدية لا تقدم لها شيئًا. وبالنسبة لهذه الخيول، فإن الورود المتسلقة التي تتفتح استجابة للدفء تُعد إشارة مرتبطة مباشرة بالبقاء.
“لكن يبدو أن هذا ليس كافيًا.” وضع فلاد باقة الورود بعناية على الطاولة وغرق في التفكير. “كلما كان اللون أحمر قانيًا، كان أفضل، أليس كذلك؟”
“نعم.”
“وكلما كان الحجم أكبر، كان أفضل.”
“يمكن للكبير أن يغني عن الصغير.”
“… سيكون الأمر مثاليًا لو كان بإمكانه التحرك أيضًا.”
بعد أن أنهى كلامه، حول فلاد نظره نحو الأسفل، حيث كان هناك طيف أحمر يتحرك بجد. كانت فتاة ذات شعر أحمر تتنهد وهي تحمل بطانية تفوق حجم جسدها. كان اللون الأحمر الأكثر سطوعًا الذي يعرفه فلاد موجودًا هناك في الأسفل.
“هذا يكفي ليُسمى ورديًا.” أومأ راموند برأسه مع ابتسامة ذات مغزى، وكأنه أدرك ما يدور في خلد فلاد.
“لكن الأمور لا تبدو جيدة هذه الأيام.”
“هكذا كنا دائمًا.”
نظر راموند إلى الصبي الذي أجاب بلامبالاة، ونقر بلسانه أسفًا. أحيانًا تكون الأشياء قريبة جدًا لدرجة أنك لا تدرك قيمتها. كيف يمكن لعلاقة كهذه أن تستمر؟ حسنًا، هكذا هي فحسب. ومع ذلك، ظلت نظرات فلاد مركزة فقط على شعر “زيمينا” الأحمر، ولم تصل نصيحة العجوز التي تشبه العويل إلى مسامعه.
“سأذهب.”
بعد بضعة أيام، كان الحصان الأسود لا يزال واقفًا بكآبة خارج أسوار القلعة بانتظار الصبي، وبدونه، سيضطر فلاد للعودة إلى دوامة حياته الرتيبة مرة أخرى. وعلى أمل أن تتمكن الفتاة التي سيرسلها خارج “سوارا” من جلب الحصان الأسود هذه المرة، التقط فلاد الباقة ونزل السلالم نحو “زيمينا”. لم يملك راموند إلا أن ينقر بلسانه وهو يشاهد فلاد يقترب من الفتاة بسرعة.
***
“زيمينا.”
“ماذا؟” رفعت زيمينا -المنشغلة بإعداد النزل للافتتاح الوشيك- رأسها عندما رأت فلاد يسد طريقها. “أنا مشغولة.”
“استمعي إليّ للحظة.”
رغم نبرة فلاد العاجلة، استمرت زيمينا في عملها وكأن شيئًا لم يكن. وتحت أناملها الخبيرة بالأعمال المنزلية، عادت الستائر إلى أماكنها ورُتبت الملاءات بسرعة.
“لا أدري ماذا تريد، لكن اذهب وأخبر السيدة أليشا، فأنا مشغولة.”
“…”
تجاهلته زيمينا، التي كانت لا تزال مستاءة بسبب ذلك المنديل الذي سقط من جعبة فلاد. لقد قصت شعرها وبذلت قصارى جهدها لإنقاذ حياته، لكن كل ما نالته كان منديلًا مطرزًا باسم امرأة أخرى. من وجهة نظرها، كان هذا سببًا كافيًا لغضب عارم.
“أردت أن أطلب منكِ خدمة.”
“قلت إنني مشغولة! ألا ترى ذلك؟” صاحت زيمينا بصوت عالٍ حين رأت فلاد لا يزال يعترض طريقها.
“تفضلي.”
…ما هذا؟ شعرت بالارتباك فجأة وهي تنظر إلى باقة الورد الحمراء الممدودة أمامها.
“ساعديني في هذا.”
“اذهب واطلب ذلك من السيدة أليشا.”
“لا،” قال فلاد بجدية وهو يمسك بالزهور، “هذا أمر لا يمكن لأحد القيام به سوى السيدة زيمينا.”
“…”
حين سمعت زيمينا كلماته، رفعت رأسها أخيرًا لتنظر إليه. صبي بعينين زرقاوين يقدم باقة من الزهور الحمراء. ووسط تلك الألوان الزاهية التي خطفت بصرها، أشاحت زيمينا بوجهها بصعوبة وأجابت: “…ما الخطب؟”
لم يكن السبب مناداتها بلقب “السيدة”، فحتى لو لم يفعل، كانت زيمينا ستصغي إليه.
“خذي هذه وتعالي معي إلى مكان ما.”
ابتسم فلاد وهو يراقب وجه زيمينا يحتقن باللون الأحمر وهي تمسك بالباقة. شعر أحمر، وباقة حمراء، ووجه متورد… كلما زاد الاحمرار كان أفضل. “أنا متأكد من أن الحصان سينجذب لهذا القدر من اللون الأحمر.” فكر فلاد في ذلك وأومأ برأسه برضا.
“ستواجه أيامًا صعبة أيها الصغير.. يا للأسف.” كان راموند يتكئ على درابزين الطابق الرابع يرتشف مشروبه ويراقب ما يفعله فلاد وهو ينقر بلسانه. ربما لم يدرك فلاد -المهموم بمشكلته- مغزى تصرفه، لكن راموند الذي يراقب من بعيد كان مندهشًا.
“حسنًا، ستكتشف ذلك بنفسك.” فمن جعل الزهرة تتفتح، عليه أن يتحمل مسؤوليتها. ورأى راموند في مخيلته وردة تتفتح على وجه الفتاة التي كانت تحاول جاهدة تجنب نظرات الصبي.
***
تقدم جوزيف وياغر حاملين المشعل الذي سلمه إياهما الحارس. في زنزانة مظلمة، وقف رجلان يتواجهان وتفصل بينهما القضبان؛ شخصان يقفان على طرفي نقيض من الحاجز الذي يفصل بين عالميهما. زاد الظل الذي ألقاه المشعل من قتامة عيني جوزيف.
“إنه لشرف عظيم أن يأتي عمدة المدينة لرؤية همجي مثلي.”
“آمل فقط أن تكون هذه الزيارة مجدية.”
رغم ضحكته الداخلية، طرح جوزيف ما يريده دون أن يتأثر باستفزازات “آجي”.
“أريد معرفة السبب الحقيقي وراء ملاحقتك للحصان.”
دلك آجي ذقنه وهو يحدق في عيني جوزيف، اللتين كانتا عميقتين للغاية بالنسبة لشخص في سنه. لقد رأى آجي الكثيرين يتصنعون البرود أو الكرامة، لكنه لم يقابل إلا قلة قليلة ممن يمتلكونها حقًا في جوهرهم، وكان عمدة “سوارا” الذي يقف أمامه واحدًا منهم رغم تقاربهما في السن.
“كان ذلك لأنني بحاجة إليه.”
“وأنا أسأل عن ماهية تلك الحاجة.”
عبس ياغر الذي يحمل المشعل من رد آجي المراوغ. تابع جوزيف: “في البداية، ظننت أنه تقليد أو طقس قبلي، لكن الأمر ليس كذلك.” لقد استشار جوزيف خبراء في عادات البرابرة، ومن بينهم راموند، وقد نفى الجميع ذلك. “سمعت أن ترويض الخيول البرية من المحرمات لديكم، هل أنا محق؟”
“…”
لكل كائن مجال يتألق فيه؛ المحاربون بسيوفهم في الميدان، والمزارعون بمعاولهم في الحقول. أما الخيول البرية، فلا تتألق إلا وهي تركض بحرية في المراعي الخضراء. والبرابرة قوم يحترمون هذه المبادئ.
“لقد جئت لأسأل عن السبب الحقيقي الذي دفعكم لكسر المحرمات، وتجاوز حدود ‘عمال الحديد’ وصولًا إلى مقاطعة ‘بايزيد’.”
صمت جوزيف بعد كلامه، ونظر إلى آجي منتظرًا رده.
شعر آجي بدافع غريب لا يمكن إنكاره، ونظر إلى جوزيف مفكرًا أن هذا الشخص قد يملك الإجابة التي يبحث عنها. “لدي أنا أيضًا ما أسأل عنه أهل الإمبراطورية.” ثم تابع وهو ينهض ببطء مقتربًا من القضبان تحت نظرات جوزيف الثابتة: “لقد فكرت في الأمر مليًا أثناء احتجازي هنا.. ربما كان من الجيد أننا سُجنا.”
خرج آجي من الظلمة وأمسك بالقضبان بكلتا يديه، مقربًا وجهه من وجه جوزيف. الكلب الذي يوشك على العض لا ينبح، بل يحبس أنفاسه بصمت متربصًا بالفرصة.
“هناك سبب واحد فقط دفعني ورجالي لمحاولة السيطرة على ‘ابن السهول’، لدرجة خرق المحرمات القبلية.”
“لقد كنا بحاجة إلى أسرع كائن نعرفه.”
تأمل جوزيف عيني آجي الموشومتين، وتذكر ما يقال عن أنها تشبه عيون وحش بري.
“ماذا فعلتم بحق الجحيم؟” سأل آجي.
“ماذا تقصد؟”
راقب جوزيف الغضب وهو يغلي ببطء في عيني آجي، غضبٌ لم يكن موجهًا إليه فحسب، بل نحو الشمال بأسره.
“لقد جُن جنون التنين.”
“…؟”
وبينما كان جوزيف في حيرة من أمره بسبب هذا التحول المفاجئ في الحديث، بدأ “ذئب السهول” يعوي من خلف القضبان: “التنين الذي كان هادئًا طوال هذا الوقت قد فقد صوابه!”
كانت عينا آجي تحترقان بالغضب، ولم يكن غضبه وحده، بل غضب جميع البرابرة الذين نبذتهم الإمبراطورية إلى الأطراف ليعيشوا في عزلة تامة.
“أنت صاحب السلطة هنا، لذا لا بد أنك تدرك ما أتحدث عنه.”
بسبب الهالة المنبعثة من آجي، وضع ياغر يده على مقبض سيفه؛ كانت تلك ضغوطًا من نوع خاص.
“ماذا فعلتم بقطع التنين؟” زمجر ذئب السهول في وجه زعيم البشر، مما اضطر الفارس ذا العين الواحدة للتقدم لتهدئته. أما الرجل ذو العينين الداكنتين الذي ظل ساكنًا بينهما، فقد بدأ يدرك النذر المشؤومة المخبأة في كلمات آجي.
“التنين جُن جنونه”.. لقد نزل ابن زعيم القبيلة باحثًا عن حصان لمنع كارثة التنين، لدرجة أنه كسر المحرمات وتوغل في أعماق الإمبراطورية. غارت عينا جوزيف الداكنتان وهو يفكر.
“أحضر لي ذلك الفتى الأشقر الذي هزمني،” قال آجي.
“وما السبب؟”
أطلق آجي زفرة عميقة بعد أن أفرغ غضبه، وأمال رأسه على القضبان قائلًا: “لأن الوحيد القادر على الوصول إلى التنين بسرعة هو ‘ابن السهول’ الذي ورث الدم السامي.”
بقايا التنين الساقط.. منتشرة في أصقاع العالم بأشكال شتى، تثير الإعجاب تارة والخوف تارة أخرى. فدم التنين النقي يحمل إمكانات هائلة.
“الأمر لن يقتصر على منطقتنا فحسب، أليس كذلك؟”
“…”
صمت الرجلان وهما يتواجهان تحت ضوء المشعل المتراقص، ولم ينبسا ببنت شفة أخرى في ذلك السجن المظلم.
========================================
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
[تعليق المترجم: 💬 لا تنسو وضع تعليق كدعم لي استمرار في تنزيل 💬]

تعليقات الفصل