تجاوز إلى المحتوى
سيد السيف المحتضن للنجوم

الفصل 80

📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚

========================================

الفصل 80: لا شجرة بلا جذور (1)

تناثرت بقع الدماء فوق الحقل الثلجي الأبيض… جلس فلاد مذهولًا وسط الثلوج، يرمق بصرُه ذلك البياض الذي تلطخ باللون الأزرق. لم يصدق بعد مشهد أشلاء “ليندوورم” المتناثرة فوق الجليد البارد، كما لم يعتد ملمس السيف في يده، الذي غدا وزنه مختلفًا عما عهده.

“أحسنت صنعًا.”

لوّح روتيجر بسيفه في الهواء لينفض الدماء عن نصله، ثم اتجه نحو فلاد. ورغم أن الصبي هو من سدد الضربة القاتلة، إلا أن سيف روتيجر كان هو من أنهى عذاب التنين؛ فـ “عالم” فلاد لم يكن بالقوة الكافية بعد لاختراق حراشف التنين الصلبة.

“هل أنت بخير يا سيد روتيجر؟”

“سيد؟ ألم تخبرني باسمك بعد؟”

شعر فلاد بالدفء المنبعث من روتيجر وهو يقترب منه ويجلس بهدوء إلى جانبه؛ دفءٌ يشبه ذلك الذي منحه إياه الفارس القديم حين حماه من أنفاس التنين الأبيض.

“حسنًا، سأخبرك به قريبًا.”

… فارس قديم في رحلة حج، يحمل أدنى الرتب، اندفع لإنقاذ الصبي. ورغم أنه ربما لم يتصرف واضعًا الوضع الراهن في اعتباره، إلا أن أفعاله أدت في النهاية إلى نتائج مذهلة؛ فالأفعال التي تُرتكب في سبيل الخير العام، لا بد أن تؤتي ثمارها لاحقًا.

“لقد انكسر.”

نظر روتيجر في عيني فلاد اللتين لم يستقر تركيزهما بعد، ثم حط بصره على السيف الذي تحطم ولم يتبقَّ منه سوى المقبض.

“لقد بذلتُ قصارى جهدي.”

“أجل، يبدو هذا واضحًا.”

أومأ روتيجر برأسه استجابةً لكلمات الصبي المبعثرة. في تلك اللحظة، وبينما كان الجميع متجمدين في أماكنهم، كان هو الوحيد الذي رأى دموع الصبي وهي تتساقط ممتزجةً بالثلوج.

“لقد أبليت بلاءً حسنًا.”

تذكر روتيجر حين رأى الصبي يلمع سيفه بجوار نار المخيم في السهول؛ وبينما كان يراقبه وهو يعتني بنصله بدقة وكأنه يؤدي طقسًا مقدسًا، أدرك مدى تعلقه بهذا السيف.

“سأعدّ لك شيئًا جيدًا.”

فمن البديهي أن يكون السيف الذي يصنعه حرفيٌ ماهر يقصده روتيجر، أفضل بمراحل من سيفٍ صنعه حدادٌ في زقاقٍ مغمور. وعلاوة على ذلك، وبما أنه سيُهدى من قِبل روتيجر، أحد ورثة العائلة العريقة، فلا بد أن يكون سيفًا ذا قيمة معنوية خاصة.

ومع ذلك، وبينما قد تمثل هذه الفرصة لبقية الفرسان سببًا للقفز فرحًا، جلس فلاد بهدوء ممسكًا بمقبض سيفه المكسور. اتجهت عينا الصبي الزرقاوان، اللتان تشعان حزنًا على فراق سيفه، نحو روتيجر وسأل:

“هل هناك سيوف أخرى كهذا؟”

لم يكن يشترط أن يكون حادًا، ولا يهم إن لم يلمع أو لم يكن قويًا؛ كل ما أراده الصبي هو سيفٌ ذو معنى، سيفٌ يستوعب “عالمه” تمامًا، تمامًا كالسيف الذي منحه الأمل في ذلك الزقاق القذر.

“…من يدري.”

أدار روتيجر رأسه بابتسامة مريرة، وكأنه فهم مغزى كلام الصبي، لكنه لم يملك الثقة الكافية للتخلي عن معاييره الخاصة.

بدأت العاصفة الثلجية تتلاشى، كاشفةً عن التنين الأبيض الصريع. لقد قُهر “ليندوورم” الذي أرعب الشمال، ومع جسده الهامد، ترك التنين وراءه لقبًا جديدًا: “قاتل التنين، فلاد من سوارا”. لقد أصبح الصياد الثاني للتنانين في هذا الجيل من إقليم بايزيد، وكان السيف المكسور خير شاهدٍ على هذا اللقب.

***

في مكتب سوارا، وبينما كان جوزيف غارقًا في عمله مستعينًا بضوء الشمس المتسلل من النافذة، فُتح الباب بهدوء ودخل رجلٌ ذو عين واحدة.

“سيد جوزيف.”

“ما الأمر؟”

تنهد ياجر تنهيدة خفيفة وهو يرمق عيني جوزيف المتعبة، ثم ناوله الرسالة التي بيده قائلًا: “هذه رسالة من ديرمار، أُرسلت مباشرة من البارونة أليشا.”

“من ديرمار؟”

رفع جوزيف نظره عن الوثائق فور سماعه الاسم؛ فبالنسبة له، كانت شؤون ديرمار لا تقل أهمية عن منصب حاكم سوارا.

“هل رصدتم أي تحركات مريبة من جايدار؟”

“على الأقل، لم يُسجل أي تحرك عسكري.”

أومأ جوزيف موافقًا على تقرير ياجر. في أوقات الاضطراب هذه، تكتسب المعلومات أهمية قصوى؛ فلا يمكن ضمان الأمن والنجاح إلا بإخفاء أوراقك قدر الإمكان، مع السعي لكشف أوراق الخصم.

“لم يظهر تهديد عسكري واضح، ومع ذلك أرسلوا رسالة مباشرة…”

التقط جوزيف فتاحة الرسائل وفتح الظرف الذي أرسلته أليشا بحذر. ورغم افتقار أليشا للخبرة في إدارة الشؤون، إلا أنها كانت تتسم بالحذر الشديد في تصرفاتها؛ وهذا يعني أنها رغم كونها حليفة قوية، لم تكن لتزعجه بطلبات أو مطالب تافهة.

“…”

راقب ياجر جوزيف بصمت وهو يقرأ رسالة أليشا، ولاحظ تقطب حاجبيه تدريجيًا، مما أنذر بأن الوضع أعقد مما يبدو.

“هممم…”

غرق جوزيف في أفكاره للحظة، ثم وضع الرسالة جانبًا وسأل: “متى سيعود فلاد؟”

“سيستغرق الأمر شهرًا آخر، فقد وصلوا للتو إلى قلعة برنهيم.”

عبس جوزيف، الذي لم يصله بعد خبر انتصار حملة القمع على “ليندوورم”، لسماع رد ياجر.

“الوقت لا يكفي.”

“هل تحتاجه هنا؟”

أومأ جوزيف بصمت مؤكدًا: “يبدو أننا في سباقٍ غامض مع الزمن.”

طق، طق، طق.

أخذ جوزيف يطرق على مكتبه وهو يميل بظهره إلى الكرسي، غارقًا في تفكيرٍ عميق استغرق ضعف الوقت الذي قضاه في قراءة الرسالة.

“ستعود فرقة إخضاع التنين إلى ستورما بعد إنهاء مهمتها، أليس كذلك؟”

“على الأرجح.”

“إذن، أعتقد أن عليّ التوجه إلى ستورما أيضًا.”

فوجئ ياجر بقرار جوزيف المفاجئ بالذهاب إلى ستورما، لكنه أومأ برأسه قائلًا: “سأقوم بالتحضيرات اللازمة.”

فبمجرد اتخاذ القرار، يجب التنفيذ بسرعة؛ فالتردد لا يجلب إلا ضياع الوقت ولا يخدم النتائج.

“افعل ذلك من فضلك.”

غادر ياجر المكتب ليبدأ التجهيزات، بينما شبك جوزيف يديه وأسند جبهته عليهما متمتمًا: “هكذا إذن…”

فرغم غياب التهديد الملموس، إلا أن هناك تحركات مريبة تلوح في الأفق. لقد فاجأت التحركات التي رصدها غايدار أليشا، مما دفعها لإرسال هذه الرسالة.

“كانت خطيئة ذلك اليوم هي الخطوة الأفضل.”

كتم جوزيف ضحكة صامتة بعد قوله تلك الكلمات. كانت هذه المرة الأولى في حياة جوزيف، الذي اعتاد دائمًا التخطيط للمستقبل، التي تحدد فيها حركة عفوية غير مقصودة خطوته التالية.

تذكر ذلك الفتى الأشقر الذي ارتكب هفوة مع سيدة نبيلة ذات شعر سماوي؛ في تلك اللحظة، كان جوزيف مذهولًا مما رآه، ولكن الآن، ومع تحول تلك الحادثة إلى مفتاح لحل المشكلة الراهنة، لم يملك إلا أن يبتسم.

“يجب أن أعدّك للأمر.”

موقع مَجَرَّة الرِّوَايـات هو المترجم الأصلي، فلا تدعم من يسرق عمله.

في ذلك اليوم، تسلم الفتى منديل السيدة بكلتا يديه، وفي اللحظة ذاتها، تحمل واجبًا ومسؤولية تجاهها. والآن، حان الوقت لتصحيح ذلك الخطأ.

جلس جوزيف في كرسيه وأطال النظر من النافذة؛ نحو معالم المدينة، وأبوابها الحصينة، وصولًا إلى حقول الشمال الثلجية البعيدة. كان ينظر في الاتجاه الذي يتواجد فيه ذلك الفتى الأشقر.

***

“ماذا تفعل بحق الجحيم؟ هل تنقل جثة؟ ولماذا تضع كل هذه الأقمشة فوق رأسي؟”

تذمر فلاد وهو ينظر إلى راموند الذي كان يتمتم بجانبه.

“الرياح تتسلل إليك.”

“وهل يخشى رجال الشمال رياح الشتاء؟”

“يقولون إنك حين تكبر، تفتك الرياح بمفاصلك.”

… فوق العربة المترنحة، استلقى راموند مغطىً بالجلود وقطع القماش، عاجزًا عن الرد على تعليق الصبي. في الواقع، ثمة كلمات تجعل المرء أكثر حساسية حين يسمعها في هذا العمر، أليس كذلك؟

كان فلاد يبذل قصارى جهده للعناية براموند، الذي حماه من أنفاس “ليندوورم”؛ ومع ذلك، فإن العجوز والصبي، اللذين لم يعتادا على الاهتمام بأحد أو تلقي الرعاية من أحد، لم يكفا عن التذمر المتبادل.

كانت حملة القمع في طريق عودتها بعد هزيمة التنين. وكان روتيجر، الذي سلم قيادة قلعة برنهيم مؤقتًا لفارسه المخلص، عائدًا إلى ستورما مع القوات. ومع انضمام “فرسان الصلب” للقوات لمواجهة تهديد التنين، سأل روتيجر: “أليس لديكم خطط للذهاب إلى ستورما معنا؟ أعتقد أن والدي سيسعد باستضافة ضيوفٍ بمكانتكم المرموقة.”

أما بالنسبة لـ “فرسان قتلة التنين” الذين دخلوا الشمال فجأة تحت ذريعة المهمة، فقد أجاب ميرشيا وهو يداعب ذقنه: “لا أعتقد أن فرصة رؤية حاكم بايزيد شخصيًا ستكون نادرة في المستقبل.”

ابتسم ميرشيا لدعوة روتيجر المهذبة وأردف: “لكنني لست واثقًا من قدرتي على الذهاب إلى هناك والعيش بسلام دون إثارة بعض الجلبة.”

ورغم أن حديثهم اتسم بلياقة النبلاء، إلا أن نظراتهم كانت تشي بتحذيرات حادة؛ تمامًا كالفرسان من الشمال والوسط الذين ظلوا يراقبون بعضهم البعض بحذر.

“إذن، أعتقد أن علينا الافتراق هنا.”

لم يملك ميرشيا إلا الابتسام بمرارة أمام تلميح روتيجر الواضح بإنهاء الزيارة. كانت ذريعة “فرسان قتلة التنين” هي إخضاع “ليندوورم”، وبما أن تلك المهمة قد أُنجزت على يد الصبي، لم يعد لهم مبرر للبقاء في أراضي الشمال دون إذن صاحبها.

“ماذا سنفعل بشأن البرابرة؟ هل يمكننا التعامل معهم؟”

“اتركوا شؤون الشمال للشماليين؛ فمهما بلغت همجيتهم، لن نسلمهم لفرسان قتلة التنين.”

انصاع “آج” لرفض روتيجر الصامت وقال: “إذا كنت ترى ذلك…” وبدأت المجموعتان بالانفصال تدريجيًا بناءً على إشارات ميرشيا وروتيجر. بدأت الفجوة التي لا يمكن ردمها تتسع بين فرسان المركز وفرسان الشمال.

“هل يمكنني أخيرًا أن أحيي قاتل التنين الجديد؟”

“…”

“لدي بعض الأسئلة لأطرحها عليه.”

فالأنداد يعرفون قدر بعضهم؛ لذا لم يتردد فرسان قتلة التنين في إظهار الاحترام لمن تعمد بدم التنين. ولولا التضاد بين ميرشيا وروتيجر، لكانت علاقتهما مختلفة تمامًا.

“للحظة فقط.”

“شكرًا لك.”

أومأ روتيجر برأسه نزولًا عند رغبة ميرشيا الملحة؛ فمن السخف التشدد في منع تحية بسيطة.

تقدم ميرشيا ببطء وسط الفرسان الشماليين؛ ورغم الهالة المهددة والنظرات القاسية التي حاصرته من كل جانب، إلا أنه لم يكترث، فالواثقون بأنفسهم يفرضون حضورهم في أي زمان ومكان.

“صفير بايزيد، فلاد من سوارا.”

بعد تجاوزه للفرسان، وجد الصبي واقفًا هناك كأنه يحمي العربة التي يرقد فيها العجوز. شعرٌ أشقر وعينان زرقاوان؛ ابتسم ميرشيا حين لمح تلك الهالة المنبعثة من داخله.

“هذا يبدو ممتعًا حقًا.”

“قل ما عندك بسرعة.”

كانت العينان الزرقاوان تخترقانه؛ وتذكرًا لتلك اللحظات التي لم تكن فيها نوايا ميرشيا طيبة، كشر فلاد عن أنيابه في وجهه. فلولا تدخله، لكان راموند بخير الآن.

“أنا سعيد لأجلك، لكن يبدو أنك لست كذلك.”

“لا أجد سببًا واحدًا للسعادة، بل أجد أسبابًا كثيرة لعكس ذلك.”

ورغم أنه لم يكن يحمل سيفًا، إلا أن الهالة التي أطلقها كانت حادة كالنصل؛ فقد عبّر فلاد عن غضبه بعينيه وطاقته، لا بلسانه.

“أهذا صحيح؟”

ضيق ميرشيا عينيه مراقبًا تيارات الهواء التي تتدفق حول فلاد؛ حيث سكن شعر الصبي المتطاير، وتوقفت رقاقات الثلج القريبة عن الحركة. ودون قصد منه، كان الصبي يفرض “مجاله” الخاص بقوة تضاهي ميرشيا، مما دلّ على أن قدرته على التعبير عن “عالمه” قد غدت أكثر نضجًا.

“هذا مخيب للآمال قليلًا، يبدو أن رغبي في تجنب المواقف الخطرة لم تصلك بوضوح.”

“كفّ عن الهراء.”

ابتسم ميرشيا بصمت وهو يرمق الصبي الذي يزمجر أمامه.

“يجب أن يكون الأمر هكذا بالفعل؛ أن ترفع رأسك بفخر أينما حللت. حسنًا، سأطرح عليك سؤالين ثم أنصرف.”

ومع ذلك، ظل “عالم” الصبي هشًا مقارنة بميرشيا؛ الذي اخترق مجال الصبي بخطوة واحدة واقترب منه ببطء، حتى صارا على مسافة تسمح لهما بسماع أنفاس بعضهما ورؤية انعكاس وجهيهما في عيونهما الزرقاء.

“السؤال الأول…”

بدأ ميرشيا يهمس بصوت خفيض لا يسمعه أحد غير الصبي: “ألا تشعر بقلبك يخفق بجنون في كل مرة ترى فيها تنينًا؟”

“…!”

بدأ ميرشيا يكتسب زخمًا بسؤاله؛ وكما حدث في المرة السابقة، ضغط فلاد على صدره لا شعوريًا بقوة لا يدرك كنهها إلا تنين.

“ماذا تقول؟”

“السؤال الثاني…”

ابتسم ميرشيا وهو يستشعر دقات قلب الصبي المتسارعة رغم صمته، وأردف: “لقد كان دم ليندوورم أزرق اللون.”

كان فلاد، الذي جاهد للوقوف بينما يخفق قلبه كأنه سيفترق عن صدره، مرتبكًا من كلمات ميرشيا؛ فسؤاله بدا غير منطقي على الإطلاق.

“ألا تشعر بجفاف في حلقك حين ترى ذلك الدم؟”

“ماذا؟”

كان هناك شيء مريب في السؤال؛ شعر فلاد بالريبة، فتراجع ببطء وهو يرمق الرجل الواقف أمامه. ميرشيا دراجوليا، قائد فرسان قتلة التنين.

“أنا أسألك… ألا تشعر برغبة في شرب دم التنين؟”

ابتسمت تلك العيون الزرقاء التي تشبه عيني الصبي ببرودة قاتلة.

========================================

📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚

========================================

[تعليق المترجم: 💬 لا تنسو وضع تعليق كدعم لي استمرار في تنزيل 💬]

التالي
78/180 43.3%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.