الفصل 1201 الخسائر (5)
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
الفصل 1201: الخسائر (5)
شعر باسل بأنه تغير جذريًا، وكأن الصبي الذي كان يفر إلى تلك الخيمة الطبية خجلًا قد انسلخ عنه، ليحل محله شخص أكثر صلابة. كان فخورًا بنفسه، إن جاز التعبير، ورغم أنه لم يظهر أي تلميح لذلك، إلا أنه استمر في سيره. سارا عبر المخيم في صمت يملؤه الود، والهواء البارد يلفح وجهيهما بينما كانت خيام المخيم تتمايل وتخفق من حولهما. وقبل أن يغادرا عهدة المعالجين، سمح ألفيو أخيرًا بتغيير ضماداته، فاسترق باسل لمحة من الجرح. إن القول بأن أذن والده قد “سُرقت” -كما كان الأمير يحلو له وصف الجرح- كان بمثابة مقارنة طائر طنان بنسر؛ فقد اختفى ثلاثة أرباع اللحم ببساطة، ولم يبقَ سوى التجويف المظلم لقناة الأذن وقطعة وحيدة من الشحمة.
وعد الجراحون بأن سمعه سيعود إلى ذلك الجانب بمرور الوقت، لكن باسل لم يكن بحاجة إلى طبيب ليخبره بما اشتراه والده حقًا بذلك الجزء من جسده؛ لقد اشترى الوقت. وقتًا لتتنفس الدولة، ووقتًا لتعيش عائلته، ووقتًا لوالده ليعمل. لم تكن هذه حربًا من أجل الحدود أو الذهب، بل كانت حربًا من أجل الحق في الوجود. لقد منح السيفُ الدولةَ الحياة، وكان الموت هو الثمن لكل نفس يتنفسونه الآن.
“أنا وأنت مختلفان تمامًا، أتعلم؟” قال ألفيو فجأة. ابتعد عن عربة مكدسة بالدروع الأوزينية المنهوبة، والتي ستحتاج أعلامها المختلفة المخيطة عليها إلى فكها، وسلك بحذائه الطريق الترابي المؤدي إلى جناح قيادته.
“مختلفان؟” سأل باسل، وهو يميل برأسه ليواكب خطوات والده، “بأي طريقة يا أبي؟”
“بكل طريقة مهمة.” التفتت عينا ألفيو البنيتان نحو ابنه، ثم ابتعدتا لتتجه نحو الأفق. حاول باسل استدراج والده لمواصلة الحديث، لكن والده تراجع إلى ذلك الصمت الرصين المألوف. ومهما حاول الصبي استنطاقه، لم يقدم الأمير أي تفسير إضافي.
وصلا إلى الجناح بعد ذلك، وفتح ألفيو ستار القماش الثقيل. في الداخل، كانت غرف الأمير خالية من الزينة بشكل لافت؛ فلا وجود لجوائز مذهبة، ولا منسوجات حريرية تحتفي بالمنتصر في الميدان. لم يكن هناك سوى سرير محشو بريش الإوز ومغطى بحرير متواضع، وجدار مزين بالدروع. كان هناك درع كبير يحمل شعار الأسود والأبيض الخاص بالفيالق، بينما اصطفت تحته أربعة دروع أصغر في شكل مثلث حاد: سمكة، ولهب، وجبل، وكلب. لم يكن باسل بحاجة إلى من يخبره بما تمثله تلك الرموز.
كانت العلامة الوحيدة النابضة بالحياة هي المكتب؛ بحر فوضوي من الرقوق والخرائط ومحابر الحبر التي تشي بطبيعة الرجل الدؤوب الذي يحكم من هناك. فكر باسل في المداعبة بشأن تقشف المكان، لكنه آثر الصمت. كان يعرف تمامًا ما سيقوله والده: “المظاهر الخارجية ليست إلا قشورًا واهية”، أو “غالبًا ما نمنح قيمة ومعاني كثيرة لبدائل رديئة للجوهر الحقيقي”، أو ربما بعض العبارات الحادة والعملية الأخرى. كانت تلك طبيعة الرجل؛ الجوهر فوق المظهر دائمًا.
مر ألفيو بجانب المكتب وتوقف أمام درج خشبي صغير متواضع. ساد توتر غامض بينهما، لم يستطع باسل تحديد سببه، لكنه شعر بعرق يتصبب من كفيه. أعلن صرير الخشب الجاف عن إغلاق الدرج، فاستقام ألفيو، وظله يمتد طويلاً على قماش الخيمة المائل. كان يحمل في يديه زجاجة فخارية بسيطة وكوبين من الخزف. صب السائل بيد ثابتة، ومرر كوبًا عبر سطح المكتب المتشقق نحو باسل. أخذ الصبي الكوب، ورفعه إلى أنفه بعينين يملؤهما الشك، لكنه استرخى حين غمرت حواسه رائحة البرتقال المنعشة.
جيد، لقد وفى والده بوعده. أخذ رشفة، فكانت الحلاوة راحة مفاجئة ومرحبًا بها، تخلصه من رائحة خيمة المستشفى ومن ذلك التعب النفسي الذي لا يزال عالقًا في ثيابه.
علق ألفيو وهو يسترخي في كرسيه: “كان ليكون أفضل مع الثلج”. ثم أخذ رشفة طويلة، وكأنه يحاول غسل غبار اليوم بالعصير الذي ينساب في حلقه.
“ثلج؟” نظر إليه باسل وكأنه اقترح شرب فضة سائلة، “في منتصف حملة عسكرية؟”
أجاب ألفيو بابتسامة خفيفة تداعب شفتيه: “لا داعي لتلك النظرة، الأمر ممكن في الواقع إذا امتلكت الوسيلة الصحيحة والمال الكافي لإنفاقه. ربما يمكنني جني بعض المال من ذلك أيضًا…”
“أفهم…” أخذ باسل رشفة أخرى. كانت هناك آلاف الأشياء الغريبة في والده، لكن الصبي اعتاد تصنيفها تحت بند الغموض الذي يلف أمير يارزات. لم يكن والده يشرح أفعاله أبدًا، وباسل لم يكن يسأل؛ فإذا أراد والده الإفصاح عن شيء، سيفعل ذلك من تلقاء نفسه. كان يعلم أن والده لا يميل لمشاركة الكثير عن نفسه، ولم يرغب في الضغط عليه لمعرفة المزيد.
ساد صمت ثقيل بينهما، ولم يكن يقطعه سوى أصوات الطرق الإيقاعية البعيدة في المخيم واهتزاز قماش الخيمة. حدق ألفيو في كوبه طويلاً قبل أن يتحدث: “ذلك الرجل في الخيمة، ذاك الذي قمت بمواساته. هل كنت تعرفه؟”
هز باسل رأسه قائلاً: “لقد عرض عليّ رشفة من الخل مرة أثناء الطريق، كان هذا كل ما بيننا”. لاحظ نظرة والده المتفحصة، فشعر بوخزة قلق مفاجئة: “هل… هل فعلت شيئًا خاطئًا يا أبي؟ هل تدخلت فيما لا يعنيني؟”
“لم ترتكب أي خطأ،” قال ألفيو، رغم أنه بدا في صراع داخلي شديد. تردد قليلاً، وأصابعه تتبع حافة كوبه بحركة بطيئة ومدروسة: “كنت في الثامنة”.
“ماذا؟”
“لقد سألتني، أتذكر؟ قبل عامين، عندما كنا نتناول العشاء مع المندوبين: كم كان عمرك حين قتلت لأول مرة؟”
هز باسل رأسه ببطء بينما بدأت كلمات والده تتضح في ذهنه: “لقد غضبت والدتي حينها، وقالت إن هذا ليس سؤالاً يطرحه طفل، ولا جواباً يدلي به والد”.
“كانت محقة، لذا لم أجبك حينها،” قال ألفيو، وهو يوجه عينيه العسليتين نحو ابنه. كان الدفء قد فارقهما، وحل محله بريق بارد وجامد. “كنت في الثامنة من عمري، عبدًا في منزل يراني أقل شأنًا من الغبار على الأرض. كنت أتضور جوعًا، ليس ذلك الجوع الذي تشعر به عند تأخر الوجبات، بل ذلك النوع الذي يجعل أسنانك تؤلمك ورؤيتك تضعف، ويجعل معدتك تنهش نفسها، ويدفعك لفعل أشياء لا تليق بإنسان متحضر. لكن هذه هي غاية العبودية، أليس كذلك؟ أن تجرد الإنسان من إنسانيته. لقد تسللت إلى المطابخ ليلاً لأسرق كسرة خبز”.
أخذ ألفيو رشفة بطيئة من عصير البرتقال، وصوته يغلف مشاعره بجمود: “لم أكن وحدي، كانت هناك فتاة صغيرة، لم تتجاوز العاشرة أو الحادية عشرة. كانت جالسة في الظلام، ووجهها نظيف لا يشوبه سواد. كانت خادمة، وليست عبدة مثلي. كانت أعلى مني منزلة، وكانت تمر من هناك. لم أكرهها، ولم أعرف حتى اسمها، لكن في اللحظة التي التقت فيها أعيننا، رأيت الرعب في عينيها… ورأيت الاحتمالات. كان بإمكانها أن تصرخ، كان بإمكانها أن تخبر الآخرين فيُجلد ذلك العبد المسكين أو ما هو أسوأ. كانت شاهدة على سرقتي، وكان بإمكانها أن تكون سبب موتي”.
استند ألفيو إلى ظهر كرسيه، وعيناه تشردان بعيدًا عن الصبي نحو جدار الخيمة الذي يرفرف مع الريح: “لم أفكر، لم أصلِّ، لم أشرح موقفي، لم أحاول التعقل أو الاستعطاف أو السؤال. لقد تحركتُ فحسب. كتمتُ فمها بيدي بقوة حتى شعرت بأسنانها تغرس في راحة يدي. كانت تقاوم، تضرب وتخمش، وأصابعها الصغيرة تمزق ذراعي، لكني كنت الأقوى. قد يكون البشر قد جعلوني عبدًا، لكن الطبيعة جعلتني أقوى من خادمة مسكينة. سحبتها إلى طاولة البلوط الثقيلة في منتصف الغرفة، وضربتها في خاصرتها لأشل حركتها، ثم سحقت رأسها بالحافة. مرة، مرتين، وربما ثلاثًا. لا أذكر الآن، فقد غامت التفاصيل ولا أريد تذكرها. لم أتوقف حتى سمعت صوت تهشم جمجمتها، وضغطت بإصبعي لأتأكد من وجود ثقب صغير فيها”.
بدأت يد باسل ترتعش وجف حلقه، واضطرب عصير البرتقال في كوبه حتى كاد ينسكب، وسقطت بعض القطرات على ملابسه.
تابع ألفيو بصوت خالٍ من المشاعر: “راقبتُ الدم وهو يتجمع على الأرض. أخذتُ كسرة الخبز من الطاولة ورميتها قرب يدها، وأخذت كوبًا فارغًا من الرف، وجعلت الأمر يبدو وكأنها تعثرت في الظلام أثناء محاولتها السرقة لنفسها. في صباح اليوم التالي، وجدها الخدم، وتحسروا على تلك المسكينة الجشعة التي سقطت وارتطم رأسها وهي تحاول السرقة. وبما أنها كانت خادمة، فقد كان يُتغاضى عن سرقاتها البسيطة للطعام. لم يشكوا أبدًا في ذلك الصبي ذي الثماني سنوات الذي كان يجلس بهدوء في الزاوية ينظر إلى يده المحمرة. لو كلفوا أنفسهم عناء فحص يدي، لما كنتُ هنا الآن. لكنهم لم يفعلوا، والآن سيدفع الكثيرون ثمن ذلك الإهمال”.
نظر باسل إلى والده حين أدرك أن القصة قد انتهت؛ الرجل الذي فكك ائتلاف الجنوب كان يعترف الآن ببساطة بما اقترفه، وشعر باسل بفجوة سحيقة تتسع بينهما. ما الذي كان يملكه ليفخر به؟ مجرد التحلي بالشجاعة للتحدث إلى بعض الجرحى الذين ماتوا من أجل قضيته؟
ابتلع باسل ريقه بصعوبة، وكان حلقه جافًا رغم حلاوة العصير. تحركت شفتاه بتردد، باحثة عن الكلمات المناسبة: “هل هذا ما كنت تعنيه؟” سأل باسل بصوت يكاد يكون همسًا، “عندما قلت إننا مختلفون؟ هل كنت تعني أنني لأنني لم أواجه صراعًا حقيقيًا، ولم أعرف ألم ذلك الجوع، فلن أتمكن أبدًا من فهمك حقًا؟ وأنني لن أصل أبدًا لمستوى أفعالك؟”
ظل الأمير ساكنًا، لم يرمش ولم يتراجع أمام رعب ابنه. جلس كتمثال منحوت من سواد الماضي الذي سيطارده للأبد.
قال ألفيو بصوت هادئ ورصين: “أنت مخطئ تمامًا. ستكون أكثر من كفء لتأخذ مكاني؛ فلديك العقل لذلك، وقريبًا ستمتلك المهارة. أفعالي ليست سوى حجر الأساس، أما أفعالك فستكون الأبراج التي تُبنى فوقها”.
استند إلى الخلف، فابتلعت ظلال الخيمة ملامحه حتى لم يتبقَ سوى البريق البارد لعينيه العسليتين وهو يكشف حقيقته لابنه: “ما قصدته حين قلت إننا مختلفون، هو أنك تملك شيئًا لا أملكه. أنا أفتقر إلى ما أظهرتَه اليوم في تلك الخيمة. التعاطف يا باسل… أنا لا أملكه. أنا أفتقر إلى تلك الفضيلة التي تتحلى بها أنت”.
========================================
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
[تعليق المترجم: 💬 إذا أعجبك تعريب الفصل من قبل لورد غوامض، لا تنسَ ترك تعليق لطيف لدعمي على الاستمرار! 💬]

تعليقات الفصل