تجاوز إلى المحتوى
الفولاذ والأسى صعود ملك المرتزقة

الفصل 1200 الخسائر(4)

📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚

========================================

الفصل 1200: الخسائر (4)

هرع باسل مبتعداً عن ممرضة كانت ذراعاها محملتين بأكوام من الضمادات المبللة باللون الأحمر القاني. وفي عجلته، اصطدم وركه بحافة إطار سرير، فتعثر وسقط بكل ثقله مباشرة فوق الساق المضمودة لرجل مصاب، مما جعل الجندي يطلق أنيناً مكتوماً.

تعلثم باسل ووجهه يشتعل خجلاً: “أنا آسف! يا للآلهة، أنا آسف حقاً!”. تراجع إلى الوراء، ليصطدم بقدم طبيب مارّ، لم يعر الرجل وريث الأمير أي اهتمام، وربما لم يلحظه أصلاً؛ بل دفعه جانباً بتنهيدة انزعاج، إذ كان ذهنه مشغولاً بأمر آخر. تجمد باسل في الممر الضيق، وهو يشعر فجأة بوطأة نظرات العيون التي ترقبه؛ فقد نهض الرجال مستندين إلى مرافقهم، ومادّين أعناقهم لإلقاء نظرة على هذا المشهد. كان يشعر بثقل نظراتهم القاسية، الحاكمة، والمتعبة، وشعر كأنه كلب ضال تسلل إلى معبد، غريباً وغير مرحب به.

في لحظة من الغريزة الطفولية الصرفة، التفت نحو والده، فرآه على بعد عدة صفوف وهو ينحني فوق جندي قديم كان يشير بحماس نحو إصبع مفقود. لم يلتفت والده إليه، ولم يكن هناك إنقاذ قادم. شعر باسل بحرارة الخجل تتسلق رقبته؛ وكان متأكداً من أن الرجال ينظرون إليه ثم إلى والده، مشفقين على فوكس لأنه أنجب جرواً متذمراً أخرق الخطى.

فجأة، امتدت يد وجذبت جلبابه بقوة، مما أبعده عن الطريق تماماً في اللحظة التي مر فيها طبيب آخر مسرعاً وهو يحمل دلواً يتطاير منه الماء المحمر. قال صوت خشن: “اهدأ يا صاحب السمو، من المحتمل أن تتعرض للدوس أو الدهس إذا بقيت في منتصف الطريق”.

التفت باسل وهو يلهث بكلمات شكر متسارعة. كان الرجل الجالس على السرير ذا وجه مستدير مبهج وحليق الرأس، وكان ليبدو كتاجر ودود من ساحة العاصمة لولا فمه؛ فقد كانت هناك ندبة مروعة شقت الجلد من شفتيه إلى مؤخرة خده، مما ترك أسنانه الجانبية مكشوفة بشكل دائم في ابتسامة هيكلية.

تمتم الرجل وعيناه الصغيرتان الناعمتان تتألقان رغم تشوه وجهه: “لا تقلق يا لورد الصغير، تشعر بالارتباك، أليس كذلك؟ لا تقلق، ففي سنك، لم أكن أقوى حتى على حمل الفأس باستقامة دون أن أتعثر بظلي”.

انطلقت ضحكة من أحدهم، فوكز الرجلُ زميله الذي بجانبه في السرير قائلاً: “ألديك ما تقوله يا ليتيو؟ أم أنك مشغول جداً بشكر ‘النساج’ لأن الخنجر لم يصب رجولتك بدلاً من فخذك؟”.

أطلق الرجل المسمى ليتيو ضحكة ضعيفة متقطعة، رغم أنه أبقى عينيه مغلقتين بإحكام. عاد الجندي المشوه إلى باسل، وابتسامته الدائمة تتسع: “لا تعره اهتماماً، فهذا الرجل متغطرس دائماً، يرفع أنفه ويشم كل شيء كأنه كلب وجد كومة جديدة من البراز. علينا أن نسد أنفه بالخرق ليلاً حتى نتمكن من النوم”.

أطلق باسل ضحكة مفاجئة وصادقة، وتلاشى توتر صدره قليلاً. فكر في رجل بعينه يملك العادة المزعجة ذاتها، دائماً ما يشم ويتطفل على أمور لا تستدعي ذلك.

تمتم باسل وأذناه تحترقان وهو ينظر إلى الفوضى التي تسبب بها في الممر: “ربما يجب أن أذهب للاعتذار للممرضات لاحقاً…”.

قال مولي بصوت خشن وهو يبتسم ابتسامته العظمية: “آه، سحقاً لذلك، أنت سليل الأمير، ويجب عليهن شكرك لأنك منحتهم شيئاً يتعثرون به غير دلاء الدماء”.

قال باسل برقة: “لا أعتقد أن والدي سيحب أن أفكر بهذه الطريقة”.

رد مولي وهو يضحك بصوت رطب يشبه الصفير: “إنه محق في شعوره هذا، فهذا يعني أنه رجل طيب وأب أفضل. كان والدي يضربني حتى يزرقّ جسدي في كل مرة كنت أختلس فيها النظر إلى ابنة الراعي. لكن سحقاً لوالدي، فقد تزوجتها على أي حال، بعد أن تأكدت من غرس بذرتي فيها أولاً! أفضل طريقة لإقناع الآباء بالموافقة على الزواج هي ترك الطبيعة تتحدث، وهذه كلمة جندي!”.

رمش باسل بعينيه ووجهه يتحول إلى اللون الوردي: “سيتسبب هذا في كارثة لوالدي. إذا بدأت… ألهو هكذا، فسيجعلني ذلك رجلاً عديم الأخلاق”.

“ألم تتسبب في ما يكفي من الكوارث باختبائك في عربة إمدادات لمدة يومين؟ آه، أين آدابي؟”. مد الجندي يده للمصافحة قائلاً: “اسمي مولي. لدي طفل في الوطن، وبالنظر إلى هذه الساق، فأنا مستعد للتقاعد المبكر. أنا من الفرقة الأولى، ورغم تشوه وجهي، لا أزال أجيد إلقاء النكات، حتى لو اضطررت لتصفيرها من خلال الفجوات بين أسناني”.

مد باسل يده غريزياً ليرد التحية، وبقيت يده معلقة في الهواء قبل أن يتجمد وهو ينظر إلى مولي؛ لم يكن هناك سوى ضمادة ثقيلة ونظيفة مكان اليد.

تنفس باسل بصدمة وسحب يده كأنها احترقت: “أوه! أنا… أنا آسف جداً!”. كان الجندي قد مد يده اليسرى، لكن باسل حاول مصافحة اليمنى المفقودة.

انفجرت ضحكة من مولي، لم تكن صوتاً مريراً، بل قهقهة عميقة نابعة من الأعماق. ومن حولهم، انضم الرجال الذين كانوا يراقبونهم بحدة إلى الضحك فجأة، وترددت أصداء ضحكاتهم بين جدران الخيمة.

قال مولي وهو يمسح دمعة من عينه السليمة: “لا داعي للقلق أيها اللورد الصغير! ها! لم أضحك بهذه القوة منذ وقت طويل. كان الرفاق بحاجة إلى بعض الترفيه؛ فالأمر يصبح مملاً حين تكتفي بالتحديق في السقف الأبيض وأرداف الممرضات. وليس هناك ما يميز الأخيرات، دعني أخبرك، فقد أرسلوا العجائز فقط إلى هذه الجبهة، أما الجميلات فهن مع اللوردات”.

وقف باسل هناك، وبدأ إحراجه يتلاشى ليحل محله فضول غريب ودافئ. شعر بثقل نظرات من في الخيمة يتحول من السخرية إلى نوع من المودة العسكرية الخشنة. اقترب قليلاً، وانخفض صوته إلى همس المتآمرين: “هل يمكنني… هل يمكنني أن أسألك سؤالاً؟”.

“اسأل يا فتى، فليس لدي سوى الوقت ونصف وجه”.

أشار باسل بشكل غير محدد نحو الفتحة في خد مولي: “في الأيام العاصفة… هل تشعر بالنسيم داخل فمك؟ هل يخرج منه صوت صفير؟”.

كانت الضحكة التي انفجرت هذه المرة مدوية، حتى ليتيو الذي كان يعاني من سيلان الأنف في السرير المجاور أطلق صرخة متقطعة. ابتسم مولي بابتسامته المرعبة والرائعة وهو يومئ بحماس.

“نعم! أحياناً يتسرب المطر إلى الداخل إذا لم أكن حذراً! يجب أن أمضغ الطعام من الجانب الأيسر من رأسي، وإلا سأجد عشاءي على كتفي”. أشار لباسل ليقترب منه مع غمزة: “هنا، هل تريد رؤية شيء رائع؟ شاهد هذا”.

أدخل مولي أربعة أصابع من يده اليسرى المتبقية في فمه، وتجعدت عيناه كأنه على وشك استدعاء كلب من بعيد. استنشق نفساً عميقاً، وبرز صدره، ثم نفخ بكل قوته. وبدلاً من صفارة حادة، خرج من الفتحة في خده صفير ضعيف يشبه صوت مزمار يحتضر.

تراجع مولي إلى الوراء وهو يضحك على فشله: “يا للهول، لم أعد أستطيع التصفير! أحاول مناداة زوجتي فأبدو كأنني نافذة تهب فيها الرياح”.

ضحك باسل معه، وشعر بسكينة غريبة تسري في جسده. لم يختفِ الحمل الثقيل عن ظهره، لكنه تبدل؛ لم يعد وحشاً بلا وجه، بل أصبح مجموعة من الأصوات. كل ما كان يحتاجه هو بناء ذلك الجسر الأول.

قال باسل وصوته الآن أكثر وضوحاً، ويرن باحترام لا علاقة له بآداب البلاط: “شكراً لك يا مولي”.

تنفس مولي بصعوبة وهو يبتسم ابتسامة هزيلة: “لا داعي للقلق يا صاحب السمو. لن أعطلك أكثر، وإلا سيقول الرفاق إنني أستأثر بدم الأمير لنفسي. اذهب الآن، أنا متأكد أن هناك الكثيرين هنا ممن لديهم قصص طويلة ليرووها، فقط لا تصدق نصف ما يقوله الكاذبون من الفرقة الرابعة”.

مَجـرَّة الرِّوايَات تتمنى لكم أوقاتاً ممتعة بين السطور، ولا تنسوا ذكر الله.

أومأ باسل وانطلق، لكن خطواته هذه المرة كانت واثقة؛ كان صبياً يسير عبر التاريخ الحي لانتصار والده.

التقى برجل يلقبونه “ذابح الخيول”، وهو مقاتل ضخم من الفرقة الثالثة، كانت ذراعاه تبدوان كخشب البلوط الصلب. نال لقبه بعد إسقاط ستة خيول أويزينية بمفرده في الدقائق المحمومة التي سبقت انكسار الصفوف. كان يجلس مستقيماً، وذراعه في جبيرة خشبية بدائية، يتحدث عن رتبة “ديكاريو” التي تنتظره بمجرد أن يتمكن من حمل السلاح مجدداً.

وفي مكان أبعد، جلس للحظة مع “ممرض الأوحال”، وهو جندي نجا من هجوم فارس بسحب الرجل من سرجه وإمساك رأسه تحت الطين الملطخ بالدماء عند المخاضة حتى توقف الرجل المدرع عن الركل.

همس الرجل مع غمزة: “الحديد لا يتنفس جيداً في الطين يا لورد الصغير”.

كانت الخيمة، التي بدت للصبي سابقاً مكاناً للرعب العقيم، تتحول إلى قصص عن البقاء والعزيمة. لكن ذلك السلام كان هشاً كما هو حال الكثيرين هناك.

فجأة، انطلق صراخ حاد من الأعماق المظلمة في الطرف البعيد من الجناح: “العودة إلى الخط! العودة إلى الخط!”.

التفت باسل ليرى رجلاً في الصف الأوسط يتشنج فجأة، حيث انحنى جسده عن مرتبة القش مع صوت طقطقة عنيفة. لم يكن مستيقظاً، لكن أطرافه كانت تتخبط بقوة رجل لا يزال محاصراً في وسط المجزرة.

“ارفعوا الدروع!”.

بدأت ضمادات الرجل تتفتح وهو يصارع أشباحاً غير مرئية، ونزفت جروحه دماً أحمر على الملاءات البيضاء. وفي لحظة، تحطم الهدوء الكئيب للخيمة؛ أسقطت ممرضتان أحواضهما، فتناثرت المياه دون أن يلحظها أحد وهما تهرعان لتثبيت أكتاف الجندي.

صرخ طبيب وهو يشق طريقه عبر الممر للإمساك بساقي الرجل المتخبطتين: “أغالو سيوس! هنا! أمسكوه، الجرح سينفتح!”.

أطلق الجندي صرخة مختنقة، وكانت يده تخدش الهواء كأنه يحاول العثور على سيف مفقود. ارتجف المرضى المحيطون به، وغطى بعضهم آذانهم، بينما حدق آخرون برعب فارغ كأنهم يألفون هذا المشهد.

ركضت ممرضة عبر الممر، وألقت بكل ثقلها على ساقي الرجل المتخبط. صر صرير إطار السرير الخشبي وهو ينزلق فوق التراب بينما كان الجندي يقاتل بقوة يائسة وعمياء.

صرخ جراح وصوته يتهدج من ضغط الفوضى: “ظننت أنني أمرت بمضاعفة الجرعة له! لماذا بحق الجحيم هو مستيقظ؟”.

“أوقفوه! أمسكوا بأكتافه!”.

“الغرز! الجروح تنفتح، الإغلاق يتمزق!”.

انضمت المزيد من الأجساد إلى المعركة، كومة يائسة من القمصان البيضاء والمآزر الجلدية تحاول كبح الجندي. كان رجلاً كالجبل، عضلاته مشدودة كأحبال الحديد، حتى مع بدء تسرب الدماء من ضماداته الجديدة، لتتفتح كالورود الداكنة على الكتان.

حدق باسل وأنفاسه تتقطع؛ كان يعرف ذلك الوجه. لم يتعلم اسم الرجل قط، لكنه تذكر اليد الخشنة التي قدمت له قربة ماء مخلوط بالخل المر خلال المسيرة الطويلة إلى المعبر. كان الرجل يضحك حينها، ويخبره أن هذا هو الشيء الوحيد الذي يمنع لعاب الجندي من التحول إلى غبار. أما الآن، فكان ذلك الوجه نفسه يتشوه بألم عميق.

صرخ الجندي بصوت خشن ومروع: “توقفوا! توقفوا أيها الأوغاد!”. وسدد قبضة ثقيلة عمياء أصابت طبيباً في فكه، رغم أن الضربة بدت وكأنها حطمت مفاصل يده ضد أسنان الرجل. “أيها الأوغاد الأويزينيون! سأقتلكم! سأنتزع الشمس من صدوركم!”.

لقد عاد بذهنه إلى النهر، إلى ذلك الحساء الأحمر، يقاتل الأشباح والظلال التي لا يراها أحد غيره، في تلك الرقصة الدموية التي فشلت في سلب حياته لكنها استولت على عقله.

وسط تلك المعمعة، تحرك ظل صغير.

كان باسل، كتلة صغيرة من الحرير والعظام، يتسلل بين أجساد البالغين المحتقنة. انحنى تحت ذراع ممرضة، وانزلق بين خصر جراح وساق مسعف.

اندفع الجندي للأعلى مرة أخرى، وأسنانه مكشوفة في زئير، ويده تخدش الهواء. ولكن عندما انغلق أصابعه، لم تجد حلق عدو، بل وجدت يداً صغيرة دافئة امتدت وأمسكت بيده بقوة.

تجمد الرجل، واستحال الزئير في حلقه إلى أنين مختنق.

في تلك اللحظة، تمكن المسعف بسهولة من الإمساك به، وأجبره على شرب سائل نجح أخيراً في تهدئته.

وفي لحظاته الأخيرة قبل الغياب، التفت رأسه، وعيناه البريتان العمياوان تبحثان عن التهديد. ولكن بدلاً من بريق رمح أويزيني، وجد زوجاً من العيون الزمردية العميقة، ثابتة وصافية، ترقبه عن قرب.

أخيراً، ذاب قناع المحارب المتجهم، تاركاً وراءه مجرد رجل متعب ومكسور، استسلم لنوم عميق.

========================================

📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚

========================================

[تعليق المترجم: 💬 إذا أعجبك تعريب الفصل من قبل لورد غوامض، لا تنسَ ترك تعليق لطيف لدعمي على الاستمرار! 💬]

التالي
1٬194/1٬195 99.9%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.