الفصل 512
الفصل 512
وقف أساق بلا حراك فوق الأسوار، يداه مستندتان إلى الحجر البارد، ونظره مثبت على الأضواء البعيدة التي تتراقص عبر امتداد البحر الأسود. كانت تتلألأ مثل النجوم المتساقطة، وكأن الحكام أنفسهم قد ألقوا شبكة من النار فوق الأمواج لإرشاد الخلاص إلى موطنه. توقف الزمن عن الأهمية؛ الألم في عظامه، الجرح النابض في جنبه، الإرهاق الذي استقر في نخاعه مثل جلد ثانٍ، كل ذلك تلاشى أمام ذلك الأفق المتوهج.
اقترب جندي، وكانت أحذيته تحتك بالحجر المتآكل. تردد عندما رأى قائده؛ وضعية كتفي أساق المتصلبة، والحدة الخاوية في عينيه.
سأل الرجل بحذر، وكان صوته خشنًا من الدخان والصراخ: “سيدي؟”
لم يلتفت أساق. جاءت إجابته بطيئة وبعيدة، وكأنها نابعة من أعماق حلم.
“استمر في الدوريات، أيها الجندي.”
كانت الكلمات بالكاد أكثر من نفس، حملتها الرياح المشبعة بالملح. تريث الجندي للحظة أطول، ثم أحنى رأسه وتراجع في عتمة الليل.
تحرك أساق كرجُل عالق بين اليقظة والحلم. وجدت أحذيته الدرجات المتآكلة بالذاكرة وحدها، وكل وطأة قدم كانت نبضًا مدروسًا ضد الصمت. عادةً، كانت لياليه حزينة وواجبة، يتفقد فيها الحواجز، ويتأكد من أن أكوام الحطب جاهزة لتحويل مدينته إلى رماد بدلاً من تركها تسقط كاملة في أيدي العدو.
لكن ليس الليلة.
الليلة، سقط ثقل القيادة عن كتفيه مثل عباءة مهملة. شبح الهزيمة، والرعب المستمر الذي عاش في صدره منذ أن ظهرت أولى رايات العدو في الأفق؛ كل ذلك ذاب أمام الحقيقة التي لا يمكن إنكارها والمشتعلة في الأفق.
الأمير قادم.
أخوه قادم.
سرت قشعريرة في جسده؛ ليس من البرد، ولا من الألم، بل من شيء أعمق، شيء دفنه تحت الواجب والصلب والحرب.
الأمل.
لقد كان شيئًا هشًا، ذلك الأمل. مثل أول برعم أخضر يخترق الأرض التي قساها الشتاء. مثل خفوت جمرة لا تزال تتوهج في سرير من الرماد.
وللمرة الأولى منذ ثمانية عشر يومًا، سمح أساق لنفسه بالتنفس.
أغمض عينيه.
داعبت هبة ريح شعره، حاملة معها صوت الأمواج البعيد.
اقتربت السفن مع مرور الوقت، وكانت هياكلها تشق المياه المظلمة مثل أشباح صامتة. رفرفت رايات البيت الملكي في ريح الليل، وأشكالها الحريرية تلتقط ضوء القمر، وتتألق بثقل كل ما تمثله؛ القوة، الواجب، والخلاص.
وقف أساق عند شاطئ الميناء، يراقب، وبالكاد يتنفس. من حوله، انتشرت الهمسات كالنار في الهشيم. استيقظ الجنود من نومهم، يفركون أعينهم المتعبة، وينفضون عنهم الإرهاق الذي قيدهم لأسابيع. تسلل المواطنون إلى الأمام، تجذبهم همسات شيء بدا من المستحيل تصديقه.
وصلت سفينة إلى المياه الضحلة، وهي الأولى من بين الكثيرين، وبدأت الشخصيات في النزول؛ رجال مدججون بالسلاح يخطون على الأرض بيقين أولئك الذين جاؤوا لاستعادة ما هو ملكهم. خطوة بخطوة، ظهروا؛ صفوف من المحاربين المنضبطين، نفس النوع الذي سمح لهذه المدينة بالصمود لمدة شهر تقريبًا.
ولكن بعد ذلك، وسط الفولاذ والرايات، برزت شخصية واحدة بوضوح.
الأمير.
نزل إلى الشاطئ بكل حضور رجل لم يشك أبدًا في أنه سيكون هنا. التقط ضوء المشاعل من الرجال المحيطين به التطريز الفضي لعباءته، واللمعان الخافت لدرعه. كان وجهه، المألوف بشكل مؤلم، ينم عن تصميم هادئ. عيناه، الحادتان كنصل مسنون، تفحصتا الشاطئ، تبحثان، وتعرفان تمامًا من سيجدان في انتظاره.
ثم، هناك.
التقت أعينهما.
شعر أساق بشيء يتحطم بداخله.
رغم كل النيران، ورغم كل القوة التي تمسك بها في الأسابيع الماضية، ورغم كل الدماء التي أريقت والليالي التي قضاها يتساءل عما إذا كان سيرى فجرًا آخر؛ لم يكسره أي من ذلك. لكن الآن، وهو يقف هناك، يشاهد أخاه يقترب، شعر بثقل كل شيء يرتطم به.
الليالي التي قضاها في الشك. الأيام التي قضاها ينزف. اللحظات الهادئة التي قبل فيها الموت. اليقين بأنه لن يراه مرة أخرى.
لم يكن ذلك ارتياحًا، ليس بالضبط. الارتياح كلمة صغيرة جدًا لما كان يمور بداخله. كان شيئًا أعمق، شيئًا خامًا، شيئًا جعل حلقه ينغلق ونفسه يتعثر.
لقد صمد لفترة طويلة، والآن—
الآن، لم يعد مضطرًا للصمود وحده.
انقبضت أصابعه في قبضات عند جانبيه، وأظافره تضغط على راحتيه. كان صدره يؤلمه، وجروحه تنبض، لكن لا شيء من ذلك يهم.
لقد جاء ألفيو.
سار نحوه، وبدا العالم وكأنه يتباطأ. رفرفت رايات بيته بجنون في هواء الليل.
لأسابيع، تخيل هذه اللحظة؛ حلم بها في لحظات الراحة النادرة تلك، وهمس بها لنفسه في أحلك الساعات عندما كان العدو عند البوابة وكان الموت يبدو على بعد نفس واحد. ولكن الآن، مع وجود ألفيو أمامه، حقيقيًا وحيًا، انهار ثقل كل ذلك عليه.
الإرهاق، جروح المعركة، الليالي بلا نوم، الجروح التي كان ينبغي أن تقتله؛ كل ذلك ضغط على كتفيه دفعة واحدة. خانته ركبتاه، ودون قصد منه، انهار عليهما.
ارتطمت راحتاه بالحجر. لثث أنفاسه، وكأن مجرد فعل التنفس قد أصبح عبئًا أكبر من أن يُحتمل.
لقد انتهى الأمر.
للمرة الأولى منذ بدء الحصار، ترك أساق جسده يستسلم. ترك التعب يأخذه، وترك نفسه يغرق في الارتياح الذي سرى في عروقه مثل بركة عظمى طال انتظارها.
لقد صمد.
والآن، وأخيرًا، يمكنه أن يرتاح.
ولكن قبل أن يتمكن حتى من استيعاب اللحظة، كانت هناك أيدٍ عليه. أيدٍ قوية وثابتة.
“انهض.”
كان الصوت حادًا وحازمًا؛ يسحبه من الهاوية، رافضًا تركه ينهار. اشتدت القبضة، لم تكن قاسية بل ملحة.
“لن أسمح لأحد أكثر رجالي ولاءً، أخي، بأن يهين نفسه هكذا.”
وقعت الكلمات عليه بقوة أكبر من أي نصل. نظر أساق إلى الأعلى، وكانت رؤيته مشوشة من الإرهاق، ووجد ألفيو يحدق فيه، ووجهه مزيج من الارتياح والحزن.
انقبض قلبه.
همس بصوت مبحوح، بالكاد يتجاوز كونه نفسًا: “لقد جئت.”
لم يجب ألفيو على الفور. بدلاً من ذلك، وجدت يداه وجه أساق، تمسكان بفكّه، وترفعانه حتى التقت أعينهما.
حينها رأى أساق ذلك؛ الحزن الدفين تحت نظرة ألفيو، والاعتذار غير المنطوق، والثقل الذي لا يطاق لمعرفته أنه وصل متأخرًا جدًا ليجنب صديقه المعاناة التي كابدها.
تمتم ألفيو، وصوته مثقل بالعاطفة: “لقد قاتلت طويلاً وبقوة. أنت البطل الذي احتجنا إليه.”
بدت الكلمات وكأنها شيء قاسٍ. بطل. لم يشعر بأنه بطل وهو يشاهد الرجال يموتون من حوله، عندما شعر بدمائه تغادر جسده، عندما حدق في سماء الليل واعتقد أنه لن يغادر هذه المدينة حيًا أبدًا.
تابع ألفيو، واشتدت قبضته، وصوته يهدد بالانكسار: “ليس لدي كلمات تمحو الوقت الذي استغرقه وصولي. لن تكون أي مكافأة كافية أبدًا لرد ما قدمته لي. الشيء الوحيد الذي يمكنني تقديمه لك هو هذا—”
التفت قليلاً، مشيرًا إلى بحر الرايات خلفه، إلى الجيش الذي استجاب لندائه، إلى عاصفة الانتقام التي تبعته.
“سأريك راية أويزن وهي تُداس تحت أقدامنا.” كان صوته الآن كالفولاذ، ووعد الحرب منسوج في كل مقطع لفظي. “سأجعلهم يدفعون ثمن الألم الذي سببوه لك عشرة أضعاف. وسأضمن أن كل من يعيش يعرف اسمك؛ أساق، جبل أراسينا.”
ارتجف نفس أساق في صدره. ارتعد جسده من الإرهاق، ومن الألم، ومن فيض المشاعر التي دفنها لفترة طويلة لمجرد البقاء على قيد الحياة.
لم يبكِ مرة واحدة خلال الحصار.
ليس عندما كاد يموت.
ليس عندما ظن نفسه مهجورًا.
لكن الآن، وهو يقف أمام أميره، أمام أخيه، أمام الرجل الوحيد الذي جاء أخيرًا لينهي هذا الكابوس، شعر بالدموع تلسع أطراف رؤيته.
الجدران التي بناها؛ الأقوى من حجارة المدينة، والأقوى من الدرع الذي يرتديه؛ تصدعت أخيرًا.
لم يتم نسيانه.
لم ينزف سدى.
لقد صمد.
والآن، وأخيرًا، لم يعد وحده.
سار ألفيو على طول سور المدينة، وعباءته ترفرف خلفه، وكل خطوة من خطواته كانت هادفة. ألقت المشاعل التي تصطف على الأسوار ظلالاً متذبذبة على وجهه، مما جعل ملامحه الحادة تبدو أكثر صرامة. سار جارزا بجانبه في صمت، وعيناه العجوزتان اللتان أرهقتهما المعارك تتفحصان الليل وكأنه يتوقع سهمًا معاديًا يأتي طائرًا في أي لحظة.
خلفهما، كانت المدينة لا تزال تضج بالحياة. تحرك الجنود، يشدون أحزمة الدروع، ويشحذون النصال، ويتحدثون بأصوات منخفضة وهم يستعدون لما سيأتي بعد ذلك. كان الجرحى يرتاحون في القصر الذي تم تحويله إلى مركز قيادة، ومن بينهم أساق؛ الذي مُنح أخيرًا، بعد أسابيع من القتال، مكانًا للراحة.
سأل ألفيو، وصوته ثابت كالحجر تحت أحذيته: “ماذا تفعل القوات الآن؟”
لم يكن جارزا بحاجة للسؤال عما يعنيه. كان يعرف.
أجاب: “لقد انتهوا تقريبًا من تناول الطعام. بمجرد ابتلاع اللقمة الأخيرة، سيكونون مستعدين للزحف.”
أومأ ألفيو برأسه ببطء وتفكير، وتحولت نظرته إلى ما وراء أسوار المدينة. أراح يديه على الحجر البارد، محدقًا في الظلام حيث يمتد معسكر العدو في الأفق.
نقطت النيران الأرض، جمرات متوهجة ضد الليل. كان معسكر الحصار ساكنًا؛ هادئًا، غير متوقع لشيء.
تمتم ألفيو، وصوته مشوب بشيء قريب من التسلية الخطيرة: “لقد أصبحوا سمينين. كسالى، وراضين عن أنفسهم. يقررون دائمًا أين يضربون، ومتى يهاجمون.”
التفت قليلاً، ونظر إلى جارزا بابتسامة ساخرة لم تصل تمامًا إلى عينيه.
“ربما حان الوقت للتخلص من بعض ذلك الشحم.”
“خروج هجومي؟”
صحح ألفيو، وصوته منخفض وحاد النية: “وليمة. والليلة، سنكون نحن من يقيم الوليمة.” التفت عائدًا إلى المعسكر، وضاقت عيناه وكأنه يتخيل بالفعل الفوضى التي سيطلقون سراحها. “ننتظر حتى يرتفع القمر. ثم ننزفهم.”
زفر جارزا، وهز رأسه. “أنت تحب الدراما، أليس كذلك؟”
ضحك ألفيو، لكن لم يكن هناك مرح في ضحكته. فقط الفولاذ. فقط وعد بالانتقام لأخٍ أُجبر على البكاء.
“كل شيء جاهز. الشيء الوحيد المتبقي هو وضع القوات خلف البوابة، حتى نتمكن من تقديم هدايانا لشيمليك.” التوت شفتاه في شيء بين الابتسامة والزمجرة. “نضرب بسرعة، نضرب بقوة، والأهم من ذلك؛ نحول معسكرهم إلى حفرة من الفوضى.”
أومأ جارزا برأسه ببطء، وكان تعبيره كئيبًا ولكنه موافق. “هذا الجزء لا ينبغي أن يكون صعبًا. إذا ألقيت ما يكفي من الأجساد في النار، فسوف تشتعل بوضوح كافٍ لتراها الإمارة بأكملها.”
أظلمت نظرة ألفيو، وعقله قد تجاوز الجدران بالفعل، داخل معسكر العدو، يراه كما سيكون في غضون ساعات فقط؛ ألسنة اللهب تلتهم الخيام، الرجال يصرخون، يتعثرون ببعضهم البعض في الظلام، ويقتلون أنفسهم في الارتباك.
سأل، وصوته يحمل نبرة من التوقع، وكأنه يعرف الإجابة بالفعل: “ماذا عن حشود النبلاء؟”
سخر جارزا، وهو يقلب عينيه. “سيكونون عبئًا أكثر من كونهم عونًا. سيبطئوننا أكثر من أي شيء آخر.”
أطلق ألفيو ضحكة هادئة، وهز رأسه. “هذا هو معيار المشاة في جميع أنحاء الجنوب الآن. عندما لا تأكل شيئًا سوى الكعك، يصبح طعم كل شيء آخر مثل القذارة.” شبك ذراعيه على صدره. “لكنهم سيظلون يضيفون إلى أعدادنا، والأعداد جيدة عندما يكون هدفنا هو الفوضى. دعهم يتعثرون، دعهم يذعرون؛ إذا انتقل ذلك إلى العدو، فذلك أفضل.”
أمال جارزا رأسه، مفكرًا في الكلمات قبل أن يطلق ضحكة منخفضة وجافة. “أفترض أنه إذا لم يكن هناك شيء آخر، فسيكونون طُعمًا ممتازًا.”
ابتسم ألفيو بسخرية، وكان تعبيره حادًا مثل نصل مسلول. “لنحركهم. أريد على الأقل القضاء على أحد خصومنا قبل نهاية الأسبوع…”

تعليقات الفصل