الفصل 70
الفصل 70
ترددت أصداء لوعة الأمير في القاعات بينما جثا على ركبتيه، وضغط بيديه بقوة على جبهته النابضة. شعر وكأن جمجمته تُسحق تحت صخرة، وكل نبضة ترسل موجات من العذاب تسري في رأسه. كان الألم شديدًا لدرجة أنه غيّب حواسه، وتركه مشتتًا للحظات.
ثم، مثل ظل ينبثق من الظلام، ظهرت إلينوار أمامه. كان في وجهها شراسة بدائية أرسلت قشعريرة في عموده الفقري، وبدا مظهرها حادًا ومحتدمًا.
صاح بصوت مجهد من الألم والإحباط وهو يكافح للحفاظ على هدوئه: “بحق عوالم الجحيم السبعة، لماذا فعلتِ ذلك؟”
كان رد إلينوار سريعًا وقاطعًا، وكلماتها مشوبة بحدة نارية تماشت مع قبضتها الشرسة على عنقه. صاحت وعيناها تشتعلان غضبًا وحيرة: “أين كنت بحق الجحيم؟”
تمكن من لثث أنفاسه بصعوبة قائلًا: “كنت… في الخارج”، وانقطع نفسه في حلقه وهو يحاول إبعاد يديها. لكن جهوده الهزيلة لم تُقابل إلا بتضييق قبضتها، وازداد الضغط حول عنقه مع كل لحظة تمر.
وتابعت وصوتها يرتفع مع كل كلمة: “وقد تركتني هنا وحدي، هل تعلمين كم شعرت بالملل؟”
تلوى الأمير، ودار رأسه من الألم وهو يكافح للحفاظ على توازنه. توسل بصوت لم يكد يتجاوز الهمس وهو يمد يده ليمسك بيديها، محاولًا بيأس تخفيف الضغط عن عنقه: “سحقًا، هذا مؤلم”.
ومن المثير للدهشة أن هيئة إلينوار لانت، وتراجعت نظرتها الشرسة لتحل محلها نظرة قلق حقيقي. سألت بصوت لطيف ومهدئ وهي ترخي قبضتها عنه: “هل يؤلمك إلى هذا الحد؟”
“ما خطبها؟” رمش الأمير في مفاجأة، وتجاوز ارتباكه ألمه للحظة. لمس جبهته بحذر، وشعر بالنبض المستمر تحت أطراف أصابعه. ورغم عدم وجود دماء، إلا أن الألم كان حقيقيًا للغاية، ينبض مع كل دقة من دقات قلبه.
لم يجب، بل استمر في مداعبة جبهته فحسب.
استمر معظم الضيوف في لهوهم، غير مدركين لعدم ارتياحه، بينما ألقى قلة من المراقبين الفطنين نظرات خاطفة باتجاهه، وقد أثار الاضطراب المفاجئ فضولهم.
وكان من بينهم والد إلينوار، الذي كانت عيناه الحادتان تمسحان المشهد بنظرة فاحصة. تحول انتباهه من مؤخرة رأس الأمير إلى تعبيرات ابنته القلقة، وظهرت غضنة خفيفة بين حاجبيه.
خاطب الأمير بنبرة رصينة، مما جعل ميسينيوس يلتفت فجأة: “أيها الأمير ميسينيوس، يبدو أن ابنتي قد أفرطت في الشراب قليلًا هذا المساء. هل تتكرم بمرافقتها إلى الخارج؟”
تردد الأمير، ومرت ومضة من المفاجأة على ملامحه: “لكن يا سيدي، لا يليق برجل أن يرافق آنسة ثملة—”
قاطعه والد إلينوار بنبرة حازمة لكنها مشوبة بلمحة من الاستسلام وهو يرفع كأسه إلى شفتيه: “افعل ذلك فحسب”. كان يعرف ابنته وجناحه؛ فالأولى لا تحتاج إلى حماية، وبالنسبة للثاني فلا داعي لحمايتها منه.
وبينما كان يراقب ميسينيوس وهو يساعد إلينوار على الوقوف، ارتسمت ابتسامة صغيرة على زوايا شفتيه. ورغم تحفظاته، لم يسعه إلا الاعتراف بصدق الأمير؛ لقد أحب الفتى ولم يمانع إذا أصبحا عائلة واحدة. فربما لن يكون زوجًا سيئًا لابنته في نهاية المطاف.
بتنهيدة مستسلمة، أرشد الأمير إلينوار عبر القاعة الصاخبة، وترددت أصداء خطواتهما في الممر الهادئ وراءها. نظرت إليه إلينوار بعينين غائمتين، وقد ثقل لسانها من أثر السكر.
سألت بصوت مشوب بالارتباك وهما يختفيان في الممر خافت الإضاءة: “إلى أين نحن ذاهبون؟”
وبينما كانا يشقان طريقهما في الممر الخافت، أرشد الأمير إلينوار بيدين لطيفتين وحازمتين، وكانت حواسه متيقظة لحركاتها المتعثرة. تدلت عيناها من التعب، وتثاءبت بنعومة.
ولم يمضِ وقت طويل حتى اقتربت منهما خادمة، عارضةً إعفاء الأمير من هذا العبء.
وبإيماءة منه، تراجع الأمير إلى الوراء، تاركًا الخادمة تتحمل ثقل إلينوار وتقودها إلى الأمام.
عندما وصلا إلى باب غرفتها، التفتت إلينوار إلى الأمير وقالت بصوت مشوب بالإلحاح: “أنت، تعال معي، لدي أشياء لأخبرك بها”.
ترددت الخادمة واعترضت بضعف، وهي تلقي نظرة قلقة على الأمير: “يا سيدتي، هذا لن يكون لائقًا”.
زجرتها قائلة بنبرة لا تقبل الجدال وهي تثبت عينيها على الأمير: “أغلقي فمك”. وشعورًا منه بأن الامتثال أفضل، وافق الأمير وقرر اتباعهما إلى الغرفة.
أرشدت الخادمة إلينوار بلطف نحو السرير، وساعدتها على الجلوس بعناية فائقة. غاصت في الفراش الناعم بتنهيدة رضا، وارتعشت جفونها المنغلقة بينما غلبها الإرهاق.
دثرتها الخادمة ببطانية، وتأكدت من راحتها قبل أن تلتفت إلى الأمير بابتسامة ممتنة.
قالت بصوت متعب: “يمكنكِ الرحيل”. بدأ الأمير والخادمة في المغادرة.
لوحت بيديها ببطء: “ليس أنت، تعال إلى هنا”. نظر الأمير إلى الخادمة التي انحنت فحسب وغادرت الغرفة، مغلقة الباب وراءها.
انتظر الأمير أن تتحدث، كانت عيناها مفتوحتين لكنهما متعبتان. التقت عيناها بعينيه عدة مرات، وفتحت فمها لتتحدث لكن لم يخرج أي صوت.
اقترح الأمير وهو يبدأ في السير نحو الباب: “إذا لم يكن لديكِ ما تقولينه، فمن الأفضل أن تنامي”.
سألت بصوت صغير وضعيف، فالتفت الأمير في ارتباك: “هل تكرهني؟”
“ماذا؟”
“سألتك إذا كنت تكرهني”.
حك رأسه، وقد غلبه الارتباك: “لماذا قد تظنين ذلك؟”
بينما جلس على حافة السرير، قطب الأمير حاجبيه بقلق. وطمأنها وصوته يلين بصدق: “أنا لا أكرهكِ يا إلينوار. الأمر فقط هو أن… هناك الكثير في ذهني مؤخرًا”.
تأملته بعينين متعبتين، تبحث في وجهه عن أي علامة على الخداع. وهمست بصوت لم يكد يُسمع في الغرفة الهادئة: “لقد كنت بعيدًا”.
تنهد، ومرر يده في شعره بإحباط. واعترف بنبرة مثقلة بالندم: “أعلم، وأنا آسف لذلك. الأمر فقط… كل ما يحدث هو حمل ثقيل يصعب التعامل معه”.
قاطعه بحدة: “لم يسألك أحد”.
التقت نظراته بنظراتها، وعيناه مليئتان بمزيج من الاعتذار والتصميم. وأجاب بصدق: “ومع ذلك، أشعر أنه شيء يجب علي فعله”.
لان تعبير وجهها قليلًا وتابعت بنبرة خجولة: “تعلم أن والدي يضايقني مؤخرًا، قائلًا إن الوقت قد حان للتفكير في المستقبل. هل فكرت في الأمر يومًا؟”
أجاب الأمير بتعب، وكأن جبلًا فوق ظهره: “كل يوم. هذه الأشهر القادمة ستكون الأهم بالنسبة لنا. ستحدد مصير عشرات الآلاف”.
نظرت إليه إلينوار بصمت للحظات قبل أن تتنهد وتلتفت بعيدًا. وتمتمت بنبرة فاترة وصارفة: “مهما يكن، أغلق الباب عندما تغادر”.
استمر ارتباك الأمير للحظة، لكنه قدم لها ابتسامة صغيرة متفهمة. وقال بنعومة قبل أن ينهض من السرير ويخرج من الغرفة: “ارتاحي جيدًا يا إلينوار”. ومع عودته إلى الوليمة الصاخبة، بدأ الألم في رأسه يتلاشى، لكن قلبه كان مثقلًا لأنه كان يعلم ما هو آت.

تعليقات الفصل