تجاوز إلى المحتوى
الفولاذ والأسى صعود ملك المرتزقة

الفصل 840

الفصل 840

تعالت صرخة رضيع في الغرفة المغلقة. رنّ المعدن. مزقت الصرخات الهواء. تقيأت المدينة نفسها في الشوارع باللون الأحمر.

ضغطت بظهرها على الجدار البارد، وابيضت يداها وهي تقبض على الخنجر عند خصرها. ارتجفت ركبتاها. كان تنفسها يأتي في سحبات صغيرة محمومة، وكأن العالم قد يدفع به إلى صدرها فتختنق مع دقة القلب التالية.

ذات يوم، كانت تأكل من أرقى الأطباق وتنام تحت أثقل أنواع الحرير. ذات يوم، كانت تمشي حيث ينفصل الخدم مثل القصب وينحني الرجال مثل الأشجار.

لقد تعلمت عن أسمى أنواع الحب.

لقد حلقت عاليًا.

والآن ذاب الشمع وسقطت.

ضاقت الغرفة حتى لم تعد تتسع إلا لرعبها. كانت صرخات الطفل تخدش أضلاعها؛ بدت بعيدة بشكل مستحيل وقريبة جدًا، مثل جرس يُقرع داخل ضريح. كان قلبها ينبض بلغته الخاصة.

دم—دم.

سوف أموت.

دم—دم.

كل ما كنا عليه سيموت معي.

دم—دم.

لن تبقى سوى شرارة واحدة.

جلب الاحتمال الأخير القليل من الراحة، ولكن ليس لفترة طويلة…

لم يفتح الباب، بل اقتُلع من مفصلاته على يد رجل يتحرك مثل جبل ساقط. لم يخطُ للداخل، بل انسكب. كان الأحمر يسيل منه في طبقات: دم، زيت، عرق، وروائح تنتمي إلى الغرق والذبح. في إحدى يديه كان يحمل شيئًا فظيعًا: الرأس غير المجدي لأحد “الخالدين”، ممسكًا به من الجزء المدبب للخوذة. الآن، وبعد أن نظرت “شعاع” عن كثب، أدركت أنه رأس قائد الحرس، الذي أصبح الآن مجرد رأس حرفيًا.

وفي اليد الأخرى، فأس بشفرة تشبه ضوء القمر المكسور، حافتها مثلمة، وحلقها الملطخ بالدماء يجف ليتحول إلى اللون الأسود.

لم يكن رجلًا؛ لم يعد يملك شيئًا من ذلك. كان يملك جوعًا فقط.

من خلفه ارتفع الكورال، جنود يهتفون، وعظام المدينة تتكسر مثل الفخار الهش، ورياح الصرخات تتصاعد في الخلف. كانوا فيضانًا، وكان القصر جرفًا على وشك أن يُجرف.

من كان يظن أن الأصوات التي تصدرها الإمبراطورية عند سقوطها ليست عويلاً، بل هتافات مدمرها؟

تمايلت مرة واحدة على عقبي قدميها. كان الأمر بلا جدوى. لم تكن هناك أرض تحتها. لم تكن تملك أي قدرة على القتال. كان الخنجر عند خصرها مجرد لعبة؛ ماذا عساها أن تفعل وما عجز عنه خمسون من الخالدين؟ ارتجفت يداها؛ غرس المعدن في راحة يدها، لكنها لم تستطع رفعه.

لقد قصوا حكايات عن السلطان الأخير، وكيف واجه الموت بشجاعة على شفتيه وسيف ساطع في قبضته؛ كيف قاد الهجوم الأخير ضد خان السهوب حتى أسقطته سهامهم. لقد تدربت على تلك الشجاعة في ساعات الهدوء، وظنت أنها مثل ترنيمة يمكنها تعلمها.

والآن لم تستطع حتى تشكيل الترانيم على لسانها. لم يخرج منها سوى صوت صغير، أنين، ثم طواها ثقل العالم على كتفيها.

غاصت للأسفل حتى اصطدم ظهرها بالأرض. غطت ذراعاها وجهها، وظلت شفرتها مرفوعة ومستقيمة بضعف.

تسربت الدموع الساخنة بين أصابعها، مبللة الهواء الذي تتنفسه. لم تعد “وصية الرمال”، بل كانت ذلك الطفل الفقير الجائع الذي يتجول في شوارع مدينة الشمس.

استمر الطفل في البكاء، خيط رفيع وغاضب من الصوت، كائن لم يتعلم بعد قسوة العالم، عالم لن يفهمه أبدًا.

توقف الرجل الذي يحمل الرأس عند العتبة. أمال رأسه مثل وحش يشم شيئًا جديدًا. وجدت عينه المرأة المنكمشة على الأرض.

أغلقت عينيها وفعلت الشيء الوحيد الذي تستطيعه، لقد صلت.

لكن لم يجِبها أحد.

لم يكن هناك سوى الغرفة، والطفل، والرجل الأحمر، والسماء الفارغة خلف النافذة. تجمعت آخر حرارة في العالم في حلقها وهربت.

مال رأس الرجل، وشعر القائد المقطوع الملطخ بالدماء يلامس جانبه.

لحظة، ثبتت عيناه على الطفل. تحرك بعفوية رهيبة، وكأن الرضيع لم يكن أثقل من دجاجة سيتم نتفها، وسقطت فأسه على الأرض.

يداه الضخمتان والمسودتان بالدم الجاف، التفتا حول ساقي الرضيع. تلوت الأطراف الصغيرة، وارتفعت الصرخات أكثر فأكثر.

حتى لم يعد هناك شيء.

كان الصوت الذي جاء مكانه أسوأ من أي صرخة.

رطب. مسطح.

كيف يمكن للصوت البسيط لارتطام اللحم بسطح ما أن يكون مرعبًا إلى هذا الحد؟

تحطمت العظام، وانفجرت الأدمغة في رذاذ أحمر. توقف العويل في منتصف النفس، وانقطع مثل خيط تحت سكين.

رسم الدم على الجدار شرائط متساقطة، وانزلقت المادة الرمادية في كتل. تكسرت شظايا العظام مثل قطع الخزف على الأرض. قطعة من الفك، صغيرة ورقيقة، انزلقت عبر البلاط حتى اصطدمت بصندلها.

وسط الخوف، كان هناك ضوء المعرفة بأن ذلك لم يكن طفلها… لقد كان آمنًا، بعيدًا عن ذلك الوحش.

ألقى الوحش ما تبقى على السرير. لم يصدر صوت ارتطام قوي، بل ترهل، مرتخيًا، مثل كيس فارغ من الأحشاء. لا شكل. لا طفل. مجرد لباب. مجرد لحم. مجرد شيء. مجرد تضحية. مجرد دمية.

ثم وجدتها نظرته، وثبتتها مثل رمح. لم تستطع التنفس. لم تستطع الرمش. انتشرت الحرارة أسفل ساقيها، حيث بلل البول الساخن ثوبها بينما اعترف جسدها بما لم يستطع فمها قوله. أنت مرة واحدة، بصوت منخفض ومنكسر، ووجهها يتقلص تحت يديها.

لقد شربت السم، لكنه لن يفعل شيئًا ضدها، لماذا من بين كل القوى لم يبقَ الآن سوى تلك؟

لا تنسَ ذكر الله، فالكلمات الطيبة أجمل رفقة.

تقدم الملاك الأحمر، وكل خطوة تترك أثرًا رطبًا من الدم عبر الرخام، آثار أقدام تلمع مثل طلاء طازج في الضوء الخافت. كانت أرضية القصر قد صُقلت ذات يوم للسلاطين وعائلاتهم.

والآن أصبحت لوح تقطيع للجزار.

اقترب أكثر، ومع كل خطوة، شعرت “شعاع” بالحرارة تتسرب من جسدها، ونخاع عظامها يتحول إلى جليد. بحلول الوقت الذي وقف فيه فوقها، شاهقًا مثل جبل فوق حشرة، كانت قد فرغت بالفعل من الرعب.

ومع ذلك، انكسر شيء فيها ضد ذلك الرعب. لأول مرة لم تتحرك للخلف بل للأمام. خنجرها المرتجف في قبضتها ضرب صدره.

بالكاد خدشه.

لقد ذهب كل ذرة أمل. كل ذرة إرادة.

انغلقت يداه الملطختان باللون الأحمر حول معصميها، محطمة العظام تحت قبضته حتى سقط الخنجر من أصابعها. انتزعه منها بسهولة جزار يأخذ لعبة من طفل.

لقرون، تناقش الحكماء حول ما إذا كان البشر يولدون أخيارًا أم أشرارًا، وما إذا كانت الحضارة تهذب الروح البشرية أم تفسدها. وبينما كانت “شعاع” تنظر إلى عينيه، لم ترَ أي نقاش، لا غموض، لا فلسفة.

لم يبقَ فيهما شيء بشري. لا كبرياء. لا فكر. لا شرارة منشئ.

فقط جوع. فقط الإرادة العمياء والناخرة للأخذ، للاستهلاك، للتدمير.

وفي تلك اللحظة فهمت: لم يكن شعبها مقدرًا له البقاء، ولا مدينتها مقصودًا لها أن تنهض للأبد. لقد بنوا أهراماتهم من الرخام، وحدائقهم، وبلاطاتهم المليئة بالغناء والحكمة، ولكن كل ذلك، كل شيء، كان طينًا أمام النار.

كان عرقها مقدرًا له ليس للبناء، بل للتحطيم.

كل ما خلقوه صُنع لغرض تدميره.

تخبطت.

ركلت ساقاها الرخام، وكعوب صندلها تخدش بلا فائدة، ومعصماها يرتجفان بجنون في قبضته الحديدية. اختفى الخنجر، لكنها خربشت بأظافرها، والتوت بذعر حيوان محاصر. كانت تعرف ما ينتظر النساء عندما تسقط الجدران.

والآن جاء دورها.

ابتلعها ظل الملاك الأحمر. كانت أنفاسه تفوح منها رائحة الحديد والعفن بينما كانت يداه تجذبان حرير ثيابها. تلوت بقوة أكبر، وتحول نحيبها إلى صرخات حادة، وثقل مقاومتها المجردة من الخنجر يتخبط ضد جسد منحوت من الحرب. تمزقت الخيوط.

ثم لمست يده لحمها.

ارتد الوحش للخلف.

دخنت راحة يده حيث لامست جلدها، واحترقت باللون الأحمر والأسود على شكل قبضته، مع صوت فحيح يشبه سقوط الماء على معدن ساخن. اخترقت رائحة اللحم المحترق رائحة النحاس المنبعثة من الدم.

تجمدت “شعاع”، وصدرها يعلو ويهبط. لنبضة قلب لم تستطع تصديق ذلك، ثم جرت الدموع من جديد، ليس من الرعب بل من الراحة. حاكمها لم يتخلَّ عنها.

لم يفعل.

حتى عند سقوط عالمها، حتى بينما كانت “أزانيا” تنهار تحت أحذية الشياطين، كانت يد حاكمها لا تزال فوقها. لم تكن منبوذة.

صرخت، وهي تئن بالشكر وسط زئير المذبحة، مدركة أن هذا يعني أن طفلها لا يزال محميًا.

لكن الرجل الذي أمامها لم يصرخ من الألم. لم ينظر إلى يده برعب. لم يترنح للخلف في ارتباك كما يفعل أي فاني.

لا. وجهه لم يتغير. عيناه الفارغتان واللتان لا قاع لهما، كانت تنظران في عينيها فقط، بغضب؟

كان هو من يتخبط الآن.

ضرب بقبضتيه صدره، ضد السلاسل والعظام في جسده، تاركًا كدمات جديدة فوق الجروح القديمة، وهو يصرخ بلغة حلقية لم تكن أزانية.

ثم رأت “شعاع” ذلك.

بين أطرافه المهتزة، وبينما كان يترنح ويصرخ، قفز شيء وأصدر رنينًا، بريق مألوف من البرونز والفضة.

كل الأمل الذي كان لديها، والمعرفة بأنها لم تُنسَ، ضاع.

جاءت القبضة قبل أن تتمكن من الصراخ.

تحطم رأسها على الرخام. غمرت النجوم رؤيتها. ضربة أخرى، انشقت وجنتها. أخرى، اهتزت أسنانها، وغمر النحاس لسانها. كان يضرب بغضب، كل لكمة أثقل من سابقتها، ومع ذلك مع كل اصطدام كان جسده يرتجف بشكل أسوأ من جسدها. دخنت يداه حيث لامستا جلدها. برزت أوراقه باللون الأسود. كان تنفسه متقطعًا، أشبه بوحش معذب منه برجل.

ثلاث مرات حاول فرض نفسه عليها، لينال حقه في النصر على المهزومة. ثلاث مرات تراجع، وهو يعوي، محترقًا كما لو بنار مقدسة. تشنج جسده، وهو يمسك بلحمه المحترق، لكن الجنون لم يغادر عينيه أبدًا.

وأخيرًا، وهو يرتجف من الغضب، تخلى عن استخدام يديه. التفت، وخطا عبر الحجرة متجنبًا جثة الأمة التي صنعها ليستعيد فأسه. جر رأسها المثلم شرارات ضد الرخام وهو يعيدها إلى قبضته. ثم خيم فوقها مرة أخرى، حاجبًا وميض ضوء المشعل، وابتلعها ظل الجزار بالكامل.

التقطت عينا “شعاع” المغشيتان البريق مرة أخرى.

يا له من رعب… كان يتدلى من عنق الشيطان، متشابكًا بالدماء، الرمز المقدس لحاكمها.

بجانب حطام العظام الذي صنعه من الإمبراطورية، تأرجح التمثال الصغير المنحوت، الذي وُضع ذات يوم عاليًا في غرفها، والآن تم تدنيسه لقتلها.

لم تخرج صرختها أبدًا من حلقها. ليس وكأنها كانت تملك واحدة.

في تلك اللحظة الأخيرة، اختفى الألم والإيمان معًا، ولم يتبقَ سوى الشك. شك في عمل حياتها. شك في نفسها. شك في الكيان ذاته الذي كرست حياتها له.

ثلاثون عامًا من لا شيء.

هذا ما أدركته بينما انغرست الفأس في جمجمتها.

التالي
837/1٬187 70.5%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.