تجاوز إلى المحتوى
الفولاذ والأسى صعود ملك المرتزقة

الفصل 95

الفصل 95

“نحن نبدو كقنفذ واحد ضخم،” تمتم أساغ وهو يقود الرجال للأمام، وعيناه تمسحان الصفوف الكثيفة من الرماح والمزاريق التي برزت من حوله. وعلى عكس جارزا، لم يكن أساغ يمتطي حصانًا؛ فالإستراتيجية التي وضعوها كانت تهدف لمواجهة الخيالة، وإذا رصد العدو رجلًا على صهوة جواد يصرخ بالأوامر، فسيصبح سريعًا الهدف الرئيسي. فالمثل القديم القائل “اقتل الرأس يسقط الجسد” يحمل الكثير من الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها.

لهذا السبب، سار أساغ على قدميه، منغرسًا في عمق التشكيل، محاطًا برجاله.

وللحفاظ على الرؤية والقيادة، سار جندي بجانبه، ممسكًا براية الفرقة عاليًا في السماء، وهي ترفرف في النسيم البارد.

كان التشكيل من حوله متراصًا، كيانًا حيًا يتنفس، يتكون من محاربين متمرسين ومجندين جدد. كانت الخطوط الأمامية عبارة عن جدار من الفولاذ والعضلات، كل رجل يمسك برمحه الذي يبلغ طوله أربعة أمتار ببراعة معهودة، مستعدًا لدفعه للأمام عند أول بادرة لهجوم العدو. وخلفهم، حافظ المجندون الجدد على مواقعهم، وعيونهم تلتفت بعصبية، لكن عزمهم كان ثابتًا. كانوا يتطلعون إلى المرتزقة المخضرمين للحصول على إشارات، محاكين هدوءهم وثباتهم بأفضل ما لديهم.

لم يستطع أساغ منع نفسه من الشعور برضا قاتم لرؤية التشكيل من الداخل؛ غابة حقيقية من الأسلحة المدببة، كل منها مهيأ لطعن أول حصان أو جندي يجرؤ على الاقتراب. لم يكن يعرف كيف فكر ألفيو في مثل هذا الأسلوب من القتال، لكن التدريب أظهر أن مفاخرة القائد كانت صادقة بالفعل. كان هذا هو السلاح الأمثل ضد الخيالة.

عرف ألفيو قيمة الانضباط في المعركة، خاصة بين القوات التي لم تذق طعم القتال الحقيقي أبدًا. كان جزء كبير من رجاله من المجندين الغرّ الذين حملوا السلاح مؤخرًا فقط. هؤلاء الرجال، غير المختبرين والقلقين، أعطاهم ألفيو وظيفة لا تتضمن القتال القريب. لهذا السبب، وضعهم ألفيو داخل التشكيل، محيين من جميع الجوانب بالمحاربين الأكثر خبرة. كانت مهمتهم بسيطة لكنها حاسمة، وسوف يبرز دورهم خلال القتال.

بينما كان أساغ ينظر عبر ساحة المعركة، انجذب بصره إلى أقصى اليسار، حيث كانت رايات العدو ترفرف في النسيم البارد.

لكن ما لفت انتباه أساغ حقًا لم يكن الرايات، بل سحابة الغبار المتصاعدة مباشرة أمامهم. كانت تتصاعد في السماء، كتلة شاسعة ومضطربة تحجب الأفق. لم يكن أساغ بحاجة لرؤية الجنود داخل ذلك الغبار ليعرف ما هو قادم؛ فقد أخبرته خبرته بكل ما يحتاج لمعرفته؛ لقد وصل خيالة العدو أخيرًا.

أرسل مشهد سحابة الغبار موجة من التوتر عبر الصفوف. خيم التوتر الثقيل في الهواء بينما شعر أساغ بالقلق المتزايد بين المجندين. كان يعلم أن الخوف يمكن أن يكون مميتًا مثل أي عدو في ساحة المعركة. كان بحاجة لشحذ هممهم، وتذكيرهم بتدريبهم والقوة التي يمتلكونها كجبهة متحدة.

“أيها الجنود!” قطع صوت أساغ الهمهمات، جاذبًا انتباه كل رجل في مدى سمعه. “لقد تدربنا طويلاً وبجد من أجل هذا القتال. لقد رأيتم بأنفسكم قوة هذه الأسلحة وفعالية هذا التشكيل.”

بدت كلماته وكأنها تثبتهم، وتنفس العديد من الجنود بعمق، وتحولت تعبيراتهم العصبية ببطء إلى شيء أكثر حزمًا.

“لست ممن يجيدون الخطب الطويلة،” تابع أساغ بنبرة فظة ومباشرة، “لكن دعوني أذكركم بشيء واحد. أعظم فرصة لكم للنجاة هي الحفاظ على المربع والثقة بالرجال بجانبكم. إذا اعتقد أي منكم أنه سينجو بالهروب، فعقله محشو بالقاذورات. الخوف لن يجعلك تسبق حصانًا.”

كانت كلماته قاسية لكنها ضرورية، تهدف إلى قطع الطريق على الذعر وتركيز عقولهم على واقع وضعهم. “لذا، ثبتوا أقدامكم واصمدوا في مواقعكم!”

“أوساه!” جاء زئير الموافقة من المخضرمين أولاً، أصواتهم قوية ولا تتزعزع. وسرعان ما تبعهم المجندون، حيث أفسح ترددهم الأولي المجال لعزيمة متنامية. تردد صدى الصرخة الجماعية عبر التشكيل، وهو تأكيد قوي على أن أساغ قد نجح في تثبيت الروح المعنوية في الوقت المناسب.

استغرق أساغ لحظة لتفحص الوجوه من حوله. كان الخوف لا يزال موجودًا، لكنه أصبح الآن مشوبًا بالتصميم. كانوا مستعدين؛ أو مستعدين بقدر ما يمكنهم أن يكونوا.

————–

لوح حامل الراية بالعلم عاليًا، وألوانه الزاهية ترفرف في الريح المنعشة، بينما تردد صدى بوق الزمار عبر ساحة المعركة، معلنًا تقدم الخيالة. اندفع الفرسان وخيولهم للأمام، مدفوعين ليس فقط بالتعطش للمجد والثروة، ولكن أيضًا برغبة مشتعلة للانتقام من الإهانة التي شعروا بها من العدو. ومن موقعهم، استطاعوا رؤية أن ما ينتظرهم لم يكن خيالة معارضين بل تشكيل من مجرد جنود مشاة.

“هذه الإهانة سيُرد عليها بالدماء… دمائهم!” صرخ شاب لم يتجاوز العشرين من عمره، وقطع صوته الضجيج وهو يقف شامخًا في الركاب، مما جعله يبدو أكثر هيبة. لم يكن هذا الشاب سوى سورزا، وريث عرش أويزن، الذي يقود الهجوم بحماس يغذيه طموحه وثقل التوقعات الملقاة على عاتقه.

كان سورزا قد تسلم قيادة الخيالة من والده، الأمير الحاكم، الذي رأى في هذه المعركة فرصة لرفع مكانة ابنه بين لوردات وفرسان المملكة. في عالم تُكتسب فيه القيادة من خلال سفك الدماء والبسالة، لن يتبع أي رجل طواعية قائدًا لم يذق أبدًا غبار ساحة المعركة أو يشهر سيفًا في قتال جدي. عرف الأمير أن مستقبل ابنه يعتمد على هذه اللحظة، على إثبات جدارته بالقيادة.

اعتبر الأمير المهمة “آمنة” بما فيه الكفاية، بناءً على تقارير الجواسيس الذين لاحظوا قلة عدد القوات الراكبة لدى العدو. سورزا، رغم شبابه وقلة خبرته، كان محاطًا بمجموعة من الحراس المتمرسين، غرضهم الوحيد هو ضمان خروج الوريث الشاب من المعركة دون خدش. لم يكن هؤلاء مجرد حراس، بل محاربين قدامى تم اختيارهم بعناية، صقلتهم معارك لا حصر لها، وأقسم كل منهم على حماية سلالة الأمير بحياتهم.

ومع تقليص الخيالة للمسافة، غطى وقع الحوافر على كل الأصوات الأخرى، قرع طبول رعدي تردد صداه في قلوب الرجال. شارك اللوردات والفرسان الذين يركبون بجانب سورزا في تصميمه، وعيونهم مثبتة على العدو أمامهم. بالنسبة لهم، كان مشهد المشاة الذين يجرؤون على الوقوف ضد قوتهم الراكبة ليس أقل من إهانة جسيمة. كانوا مصممين على تعليم هؤلاء الجنود “الوضيعين” القوة الحقيقية للخيالة، ودهسهم تحت الأقدام وإرسال رسالة واضحة لكل من يجرؤ على معارضتهم.

خفق قلب سورزا بالإثارة والخوف. كانت هذه لحظته ليثبت نفسه، ليري والده والمملكة أنه لم يكن مجرد أمير بالولادة، بل قائد بالحق. ومع اقترابهم من خطوط العدو، شدد قبضته على سيفه، مستعدًا لحفر اسمه في سجلات التاريخ، غير مدرك أن التشكيل الذي كانوا سيقاتلونه هو تشكيل “رايسلاوفر” معدل تم إنشاؤه خصيصًا لمواجهة هجمات الخيالة.

التالي
95/1٬136 8.4%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.