تجاوز إلى المحتوى
حكايات غريبة عن الأشباح

الفصل 237 : مياو يين ستة وعشرون

### الفصل 237: مياو يين (ستة وعشرون)

حتى حلّ يوم مهرجان الصيد، حين التقت **”آ بو”** بذلك الرجل الشجاع المهيب؛ كان عريض الحواجب، واسع العينين، تفيض ملامحه بالبطولة والشهامة. في عينيها، كان وسيمًا مشرقًا كالشمس؛ وفي قلبه، كانت “آ بو” قمرًا ساطعًا ينير دجاه. وفي ليلة عاصفة غمرها ضوء القمر، تعاهد الاثنان سرًا على الحب والوفاء لجمع شتات حياتهما معًا.

لم تكن “آ بو” لتنسى تلك الليلة أبدًا؛ ففيها وهبته قلبها وجسدها لأول مرة، واستقرت بذرة الحياة في أحشائها. وبعد انقضاء ثلاثة أشهر، أدركت أن الجنين قد بدأ ينمو في أحشائها، فزفت الخبر إلى حبيبها. طار الرجل فرحًا، ووعدها فورًا بأن يطلب من والديه التوجه إلى منزل عائلتها لخطبتها رسميًا.

وهكذا، راحت “آ بو” تنتظر… وتنتظر… وطال انتظارها لأيام وأسابيع طويلة، حتى انتفخ بطنها وبرز كأنه نصف بطيخة، لكن حبيبها لم يظهر له أي أثر.

وأمام هذا الغياب المريب، كشفت لها إحدى صديقاتها المقربات الحقيقة المرة؛ إذ تبين أن ذلك الشاب لم يكن سوى ابن زعيم القرية. وعندما علم الزعيم بعلاقة ابنه بتلك الفتاة وتعهدهما بالزواج، استشاط غضبًا، وفرض على ابنه إقامة جبرية صارمة محتجزًا إياه داخل البيت لمنعه من رؤيتها.

وقع الخبر على مسامع “آ بو” كالصاعقة؛ فوالد طفلها المنتظر سجين خلف الأسوار! تملكتها الحيرة والخوف، وماذا عساها أن تفعل وهي مجرد فتاة رقيقة لا تملك من أمرها شيءًا؟ ومع تزايد مخاوفها وقلقها على حبيبها، اتخذت قرارًا حاسمًا بالذهاب إليه بنفسها.

### رحلة في غسق الجبل

كان الطريق الجبلي وعرًا وشاقًا، فمضت “آ بو” تخطو بحذر شديد خطوة تلو الأخرى، مستمرة في السير طوال النهار. ومع هبوط خيوط الظلام، وصلت أخيرًا إلى محيط منزل الحبيب. كانت الأنوار متلألئة في أرجاء البيت، وبدا أن الجميع ما زالوا مستيقظين، بينما كان نباح كلبين حراسة كبيرين يتردد في الفناء مسببًا الرعب في النفوس.

تحسست “آ بو” بطنها المنتفخ، وأطالت التفكير والتردد؛ إذ لم تجرؤ على الولوج من الباب الرئيسي خشية أن ينكشف أمرها أو يطردها أهله بجفاء. لذا، دارت حول المنزل من بعيد لعدة مرات تراقب الوضع، حتى لاحظت وجود نافذة مفتوحة في الطابق الثاني تطل على الفناء الخلفي. جلست على الأرض في العتمة تنتظر، على أمل أن يخلد الجميع إلى النوم لتتسلل بهدوء.

مضت الساعات ولا تدري كم استغرق الأمر حتى انطفأت أنوار المنزل تمامًا. وإثر برودة الليل الشديدة، استيقظت “آ بو” من غفوتها، وتوجهت بنبضات قلب متسارعة نحو الفناء الخلفي. كان الظلام دامسًا يحجب معالم الطريق، وفجأة، زلت قدمها في الفراغ وسقطت أرضًا. تملكها الرعب فأسرعت بوضع يديها على بطنها لتحميه، وأطلقت صرخة ألم مكتومة: “آه…”، ثم كممت فمها بذكاء كي لا يفتضح أمرها.

### هروب تحت ضوء القمر

ورغم سرعة تداركها، إلا أن الصرخة اخترقت سكون الطابق الثاني؛ إذ انفتحت النافذة فجأة، وأطل منها شخص يتلمس العتمة بحذر، وصاح بصوت خفيض: “من هناك؟!”

رفعت “آ بو” رأسها ورمشت بعينيها؛ كان الصوت مألوفًا جدًا لقلبها، لكنها لم تجرؤ على الكلام. غير أن ضوء القمر الخافت كان كفيلًا بأن يكشف ملامحها للشاب الشاخص من الأعلى.

هتف الشاب بصوت مخنوق تملؤه اللهفة والإثارة: “آ بو! أهذه أنتِ حقًا؟ آ بو!”

أخيرًا استبان لها الصوت بوضوح، فأسرعت بالإجابة. ودار بين الحبيبين حديث هامس مفعم بالشوق بين الطابق العلوي والسفلي، لكن الكلمات لم تطفئ لوعتهما؛ إذ كانا يتوقان للقا والفرار معًا. ومن أجل الخلاص واللحاق بـ “آ بو”، اتخذ الشاب قرارًا بالهروب من المنزل؛ فجمع بعض الثياب من غرفته، وراح يربط الأكمام ببعضها بإحكام حتى صنع حبلًا طويلًا ومتينًا. ربط أحد طرفيه بقوة في السرير، ودلّى الطرف الآخر من النافذة حتى لامس الأرض. وبعد أن حزم ما تيسر من المال وبضع قطع من ثيابه، قبض على الحبل بكلتا يديه وبدأ يهبط ببطء وحذر.

كانت “آ بو” ترقبه من الأسفل وقلبها يتأرجح بين الفرح والذعر، خوفًا من أن تزل يده أو يفلت الحبل، ولم تنفك تهمس له بالتوجيهات والتحذيرات… حتى وطأت قدماه الأرض بسلام، واجتمعا أخيرًا.

تلاقت أيديهما، وفرّا معًا تحت جنح الظلام متوجهين إلى منزل عائلة “آ بو” قبل الفجر. ولم يجرؤ والدا الشاب—رغم نفوذهما وسلطتهما—على ملاحقته أو إثارة الفضائح لاستعادته؛ إذ كانت “آ بو” تحمل في أحشائها طفله ووريثهما المنتظر.

**[نهاية الفصل]**

التالي
235/268 87.7%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.