الفصل 242: الفانون لا يستطيعون تحمل هذا…
الفصل 242: الفانون لا يستطيعون تحمل هذا…
غرقت العاصمة الملكية لمملكة فاروق في حالة غير معتادة من الانشغال منذ الصباح الباكر
راح حراس المدينة ينتقلون من بيت إلى بيت، ناقلين المرسوم الملكي:
يجب على جميع السكان الاصطفاف على جانبي الطريق الرئيسي عند الظهيرة للركوع والترحيب بالضيوف المميزين القادمين
وأي مخالف سيواجه عقوبة شديدة، وأخفها التجنيد على الجبهة الحدودية
في ورشة صغيرة للحرف اليدوية، كان توماس، صاحب متجر حدادة، قد تلقى الخبر للتو، وامتلأ وجهه بالسخط والارتباك
كان رجلًا في منتصف العمر في أوائل الخمسينات، وقد أصبح نصف لحيته الكثيفة أبيض، أما عضلات ذراعيه فكانت صلبة وقوية من سنوات طويلة في طرق المعادن
“أي نوع من الضيوف المميزين السخفاء هذه المرة، حتى يجعلونا نترك عملنا ونذهب للركوع والترحيب بهم؟”
لعن الحداد متوسط العمر بصوت خافت، وهو يمسح العرق عن جبينه بمئزره، وقد انعقد حاجباه بعمق حتى بدا وجهه كأن الغضب حفر فيه أخدودًا:
“لقد جاءوا مرة في النصف الأول من العام، وها هم يأتون مرة أخرى؟”
ضرب المطرقة في يده بحنق على السندان، فأطلقت رنة معدنية عالية، كأنه يفرغ كل استيائه فيها
“هل ترى العائلة الملكية أننا أعشاب على جانب الطريق يمكن دهسها في أي وقت؟
هؤلاء النبلاء يجلسون عاليًا في قلاعهم؛ لا يعرفون شيئًا عن صعوبة حياتنا
سعر الحديد يرتفع كل يوم، والسيف الجيد لا يُباع بسعر مناسب، والزبائن يتصيدون العيوب دائمًا. والآن، بعد أن حصلنا أخيرًا على طلبات، يجبروننا على الذهاب والركوع أمام نبيل مغرور لا نعرف من أين جاء!”
نظر تلميذه، وهو فتى في السادسة عشرة أو السابعة عشرة، إلى خارج الباب مرتجفًا ليتأكد من عدم وجود حراس قريبين، ثم رد بصوت منخفض:
“يا معلم، اخفض صوتك. سمعت للتو أن القادم هذه المرة ساحر، وصديق للأمير الثالث عشر”
كان صوت الفتى مملوءًا بالخوف والرهبة، رد فعل غريزي تجاه قوة مجهولة
“ساحر؟”
رغم أن صوت الحداد انخفض، فإن الازدراء في نبرته صار أوضح، وومض الاحتقار في عينيه:
“مجرد دجالين يعتمدون على الخدع الرخيصة لخداع الناس العاديين. يبيعون بعض المياه الملونة، ويتلون عبارتين مخيفتين، ثم يحصلون على المال والاحترام بالخداع”
تذكر توماس ذلك الساحر المنجم المزعوم الذي جاء إلى المدينة قبل بضع سنوات، مدعيًا أنه قادر على التنبؤ بالمستقبل، ثم انتهى به الأمر محتالًا مكشوفًا
“ألم يفشل ذلك الساحر المنجم المزعوم في المرة الماضية حتى في التنبؤ بأنه سيُصعق بالبرق؟”
سخر، وكانت نبرته مليئة بعدم الثقة في القوى الخارقة:
“ظل ذلك الكاذب يهذي عن إرشاد النجوم حتى اللحظة التي ضربه فيها البرق”
“لكن يا معلم…”
تردد التلميذ، وظهر خوف حقيقي في عينيه، وكان صوته منخفضًا إلى درجة تكاد لا تُسمع:
“سمعت أن الساحر هذه المرة مختلف. إنه حقيقي…”
“حقيقي ماذا؟” قاطع الحداد تلميذه باحتقار:
“كاذب حقيقي؟ مجنون حقيقي؟ أم مشعوذ حقيقي؟”
كان صوته مليئًا بالسخرية من ما يسمى بالقوى المتجاوزة
في نظره، ما يُصنع باليدين فقط هو الحقيقي؛ أما تلك القوى التي لا تُرى ولا تُلمس، فليست سوى خفة يد وأكاذيب
في تلك اللحظة، مر حارس مسلح بالكامل أمام مدخل المتجر، ورمى الحداد بنظرة باردة
كانت تلك النظرة كخنجر حاد، اخترق قلب توماس مباشرة
أغلق الحداد فمه فورًا وخفض رأسه، متظاهرًا بترتيب أدواته
لكن يديه الكبيرتين الخشنتين كانتا ترتجفان قليلًا، لا خوفًا، بل من غضب مكبوت
واصل الحارس طريقه. تنفس الحداد الصعداء طويلًا، لكن الاستياء على وجهه لم ينقص ذرة
كان يعرف أنه لا يملك خيارًا سوى طاعة الأمر، لكن السخط في قلبه كان كاللهب، يزداد اشتعالًا شيئًا فشيئًا
“أي عالم هذا؟” تمتم لنفسه:
“حداد عمل بجد معظم حياته عليه أن يركع لساحر يعتمد على طرق ملتوية”
ولم يكن هذا الشعور شعوره وحده
كان جو خانق يملأ أحياء العامة في المدينة كلها
أُجبر الناس على ترك أعمالهم جانبًا، وارتداء أفضل ما لديهم من ملابس، ثم الإسراع إلى جانبي الطريق الرئيسي
في مخبز، كانت صاحبة المخبز سيينا تتذمر
كان وجهها، المحمر قليلًا من حرارة الفرن، مغطى بتجاعيد السخط:
“نحن تحت حظر تجول منذ عدة أيام، والعمل صار سيئًا جدًا. كدنا ننفد من الطحين في البيت. والآن يجبروننا على الترحيب بساحر ما؟ حتى لو هبط حاكم عظيم إلى الأرض، فلن يعوض هذه الخسائر!”
صفعت يداها المغطيتان بالطحين المنضدة بقوة، فأصدرت صوتًا مكتومًا
خفتت رائحة الخبز في المخبز تحت وطأة الغضب، ولم يبق إلا جو ثقيل
واساها زوجها، وهو رجل نحيف متوسط العمر يقف إلى جانبها:
“لا تقولي المزيد، احذري من المتنصتين. لا أعرف ما الذي يحدث في القصر مؤخرًا، لكن الحراس في كل مكان في المدينة. حتى شربة الماء صرنا نحتاج فيها إلى مراقبة وجوههم”
كانت عيناه ممتلئتين بالتعب والعجز، نظرة خاصة بالعامة الذين عاشوا سنوات طويلة تحت القهر
“لأن الجميع يبتلعون كرامتهم هكذا، صار النبلاء والعائلة الملكية يعاملوننا أكثر فأكثر كأننا لسنا بشرًا!”
قالت صاحبة المخبز بسخط، لكن صوتها كان قد انخفض كثيرًا، وكانت عيناها مليئتين بالعجز والمرارة:
“سمعت أن بضع عائلات أخرى فُتشت بيوتها مؤخرًا لمجرد قولهم بعض الكلمات غير المناسبة”
مع مرور الوقت، أُجبر عامة المدينة على الوقوف على جانبي الطريق الرئيسي، فاصطفوا وركعوا على الأرض
وقف الحراس بين الحشود حاملين أسلحتهم، يراقبون كل حركة عن قرب
كانت دروعهم تلمع تحت ضوء الشمس، والأسلحة في أيديهم تبرق بلمعان بارد، كأنها مستعدة لإنزال العقاب على أي سلوك
“غير محترم” في أي لحظة
امتلأ الهواء بإحساس بالقمع والقلق، بينما كان الناس يتهامسون، محاولين تخمين هوية هذا الساحر الأسطوري الذي يستحق مراسم استقبال عظيمة كهذه
همس خياط إلى جاره:
“سمعت أنه ساحر من غابة الضباب الأسود. يقولون إن كثيرًا من الوحوش والمشعوذين يعيشون هناك…”
“نعم، ابن جار ابن عمّي ذهب هناك مرة للتجارة. قال إن الهواء نفسه سام؛ نفس واحد يكفي ليصيب الإنسان بالجنون”
رد الجار، وكان صوته مملوءًا بمزيج متناقض من الخوف والفضول
اقتربت منهما امرأة عجوز مجعدة وهي ترتجف:
“اصمتا، لا تدعا الحراس يسمعون! أليس توم العجوز اختفى في اليوم التالي لأنه قال بضع كلمات سيئة عن السحرة؟”
انتشرت شائعات لا تُحصى بهدوء بين الحشد، مما زاد قلق الناس وخوفهم
لكن تحت طبقات القمع، لم يكن لهذه المشاعر إلا أن تُدفن عميقًا في القلوب، عاجزة عن الخروج
وُضع توماس الحداد في مكان غير بعيد عن بوابة المدينة. كانت ركبتاه تؤلمانه من طول الركوع، لكنه لم يجرؤ على التذمر ولو قليلًا
كان الغضب في قلبه يتناقض بشدة مع الطاعة على وجهه، وهذا التباين كاد يجعله يعجز عن التنفس
اقترب منه جار مسن وهمس:
“سمعت أن ذلك الساحر يستطيع رؤية ما في قلوب الناس ويعرف أفكارك الداخلية”
شحُب وجه توماس، وانفجر العرق البارد على جبينه
لم يكن يريد تصديق هذا الادعاء، لكنه لم يستطع منع الخوف من التسلل إلى قلبه
نظر إلى الحشد الراكع حوله. كان وجه كل شخص يحمل تعبيرًا مشابهًا: خوفًا عميقًا وقلقًا مخفيين تحت سطح من الاحترام
في تلك اللحظة، جاء اضطراب من جهة بوابة المدينة. أعلن قائد الحراس بصوت عالٍ:
“بوابات المدينة على وشك الفتح! ليبق الجميع هادئين وليركعوا ورؤوسهم منخفضة! من يخالف يُعدم في الحال!”
ومع صوت ثقيل، انفتحت بوابات المدينة الضخمة ببطء، كاشفة المشهد في الخارج
انتشرت همهمة مكبوتة بين الحشد، بينما كان الجميع ينتظرون بتوتر ظهور الساحر الأسطوري
وفي ظلال بوابة المدينة، كان الأمير الثاني، إريك، ومعه عدة مقربين، ينتظرون بقلق هذه الفرصة التي لا تتكرر
كان إريك شابًا وسيمًا، لكن التوتر والخوف الطويلين تركا علامات واضحة على وجهه
كانت عيناه مليئتين بمزيج معقد من التوق إلى الحرية والخوف من الموت
“سموكم، فُتحت بوابة المدينة. هذه فرصتنا الوحيدة”
همس حارس يرتدي ملابس عادية، وكانت عيناه تلمعان بضوء متوتر:
“ما دمنا نندفع خارج بوابة المدينة أثناء الفوضى، نستطيع الهرب من أولئك الحراس الملاعين. لقد رُتب أشخاص لملاقاتنا في الخارج. ما إن نخرج من المدينة، فسيكون هناك أمل”
أومأ الأمير الثاني إريك بعصبية، وأصابعه تفرك باستمرار مقبض السيف عند خصره
منذ تولى أندريه السلطة، كان تحت الإقامة الجبرية في القصر، يقلق باستمرار من أن يُعدم
كل ليلة، كان يستيقظ فزعًا من الكوابيس. في أحلامه، كانت حدقتا أندريه الذهبيتان العموديتان كعيني حاصد الأرواح، تحدقان فيه ببرود
ولكي يبقى حيًا، اضطر إلى التخطيط لهذا الهروب الخطر
“انتظروا حتى تفتح بوابة المدينة بالكامل، ثم سنتحرك فورًا أثناء فوضى الاستقبال”
أصدر إريك أمره بصوت منخفض، وكان صوته يرتجف قليلًا من التوتر:
ما يحدث داخل القصة لا يعني موافقة على أفعال الشخصيات.
“تذكروا، بمجرد الخروج من المدينة، تفرقوا واهربوا فورًا. سنلتقي في الغابة الشمالية قبل حلول الظلام”
أومأ عدة مقربين بأنهم فهموا، وكانت أيديهم بالفعل على أسلحتهم، مستعدين للتحرك في أي لحظة
كان على كل وجه تعبير عزم قاتم؛ كانوا يعرفون أنهم إن فشلوا، فموت مؤلم ينتظرهم
في الوقت نفسه، خارج بوابة المدينة، بدأ همس دهشة ينتشر بين الحراس
أجبر توماس نفسه على رفع رأسه، والمشهد الذي دخل عينيه كاد يوقف قلبه
كانت العربة ذات العجلات الأربع، التي يجرها نوع من الوحوش، تقترب ببطء من بوابة المدينة
بدا “الكائن” الذي يجر العربة شبيهًا بالإنسان من النظرة الأولى، لكن التحديق فيه أكثر جعل الشعر يقف من الرعب
كان جلده مغطى بحراشف غريبة تتلألأ تحت الشمس بلمعان معدني بارد
والأكثر إقلاقًا كان عيناه؛ كان ذلك الزوج من مركبات مقلة العين الخضراء الغريبة يشبه عيني زاحف قديم، ويشع توهجًا مشؤومًا
كان المشهد كله كلوحة خرجت إلى الحياة من كابوس؛ وحش مرعب يجر عربة، وجسده منقوش برموز معقدة تبدو كأنها تروي نبوءة مشؤومة
“يا للعجب…”
لم يستطع توماس منع نفسه من الهمس بتعجب، والعرق البارد يتدحرج على جبينه كالمطر
كان قد سخر من قبل مما يسمى “السحرة”
لكن في هذه اللحظة، أمام هذا الوجود الشبيه بالكابوس، اختفى عدم تصديقه، وحل مكانه رعب صافٍ
وفيما كانت العربة تقترب ببطء من البوابة، اندفع أليك ومساعدوه الموثوقون فجأة من الظلال، محاولين الهرب وسط الفوضى
“أوقفوهم!” صرخ حراس بوابة المدينة، لكن الأوان كان قد فات
كان أليك ومجموعته قد اندفعوا بالفعل قرب البوابة، وعلى وشك الاصطدام بالعربة
استطاع توماس أن يرى التعبير المعقد على وجه الأمير الثاني، مزيجًا من الخوف والأمل؛ كان ذلك النضال الأخير لشخص على حافة اليأس
حبس أنفاسه، وهو يشاهد عاجزًا الأمير الثاني وأتباعه على وشك المرور بمحاذاة العربة
لكن في اللحظة نفسها التي بدا فيها أن أليك يوشك على النجاح في الهرب، انبعث فجأة تقلب طاقة خفيف من داخل العربة
لا صوت، لا حركة، ولا أثر لأي تعويذة مرئية
حتى توماس، أقرب المتفرجين، لم ير الساحر داخل العربة يقوم بأي حركة إلقاء
كان الأمر كأنه مجرد فكرة، أو ربما حتى من دون الحاجة إلى فكرة؛ مجرد وجود ذلك الضيف المميز كان كافيًا لإطلاق كارثة
في الثانية التالية، توقف أليك وأتباعه الخمسة في أماكنهم في الوقت نفسه، لا، بدقة أكثر، تجمدت أجسادهم فجأة في مكانها، كأن حبالًا غير مرئية قيدتهم
بعد صمت قصير، بدأ رعب صامت ينتشر
اندفع الدم من عيني أليك ومنخريه وأذنيه وفمه في الوقت نفسه، متدفقًا كصنبور مفتوح
كان الدم شديد الحيوية، حتى بدا غير حقيقي تقريبًا تحت ضوء الشمس
احترق ذلك اللون الأحمر الساطع في شبكية توماس، مستحيلًا محوه حتى لو أغلق عينيه
ثم انفجر رأسه كالبطيخة الناضجة أمام أعين الجميع، وتحول إلى كتلة من لب دموي تناثر في كل اتجاه
ولقي أتباعه الخمسة المصير نفسه؛ انفجرت رؤوسهم في الوقت ذاته
لطخ الدم المتناثر الأرض لعدة أمتار حولهم، وانتشرت رائحة الدم في الهواء كمطر كابوسي
تمايلت الجثث الست بلا رؤوس لحظة، ثم سقطت بقوة على الأرض، محدثة صدى يثير القشعريرة في الشارع الصامت
غرقت ساحة بوابة المدينة كلها في صمت أشبه بالموت
شعر توماس بدوار شديد؛ انقلبت معدته، وارتفع طعم مر في مؤخرة حلقه
لم يستطع تصديق ما شاهده للتو؛ ساحر لم يره حتى، مختبئ في العربة، بلا أي حركة، بلا أي تعويذة
فقط، كما بدا، مجرد فكرة، وتقلب غير مرئي جعل رؤوس ستة أشخاص تنفجر في الوقت نفسه
كانت تلك القوة المرعبة خارج حدود فهمه، بعيدة المنال كأن نملة تحاول فهم حرارة الشمس الحارقة
“هذا…”
“يا للعجب…”
“يا للدهشة!”
أغمي على عدة أشخاص أقل شجاعة في الحال
أما عدد أكبر من الناس فبدأوا يرتجفون بلا سيطرة، ضاغطين جباههم بقوة على الأرض، مرعوبين من جذب انتباه هذا الساحر المخيف
ولم يكن توماس استثناءً؛ فقد كان جبينه مضغوطًا عميقًا في التراب، يشعر ببرودة الأرض
في تلك اللحظة، لم يتمن إلا أن يختفي، أن يتحول إلى ذرة غبار، وألا يلاحظه الوجود داخل تلك العربة
أما أولئك الحراس الذين كانوا متكبرين في الأصل، فقد خارت ركبهم الآن؛ ولو لم يكونوا راكعين بالفعل، فغالبًا لما استطاعوا الوقوف. لم يروا قط مشهدًا مرعبًا كهذا؛ شخص، بمجرد فكرة من داخل عربة، جعل رؤوس ستة أشخاص تنفجر
استطاع توماس أن يشعر بأن سرواله صار مبللًا، لكنه لم يبال، ولم يشعر بأي عار
أمام قوة مطلقة كهذه، بدت كرامة الإنسان صغيرة ومضحكة إلى هذا الحد
واصلت العربة التقدم، ثم توقفت ببطء أمام الطريق الرئيسي
تقدم رجل يرتدي درعًا مزخرفًا، قائد حرس القصر، وكان وجهه شاحبًا، لكنه بالكاد حافظ على رباطة جأشه
انحنى بعمق، ورغم أن صوته كان ثابتًا، فإن من يصغي بدقة يستطيع سماع الارتجاف فيه:
“السيد المحترم رون رالف، أمرني سمو أندريه بالترحيب بكم. وبخصوص الإزعاج العارض قبل قليل، يعبّر سموه عن أعمق اعتذاره، وقد رتب بالفعل إخلاء الطريق. تفضلوا بالمتابعة، سيدي”
كان صوت القائد محترمًا إلى أقصى حد؛ ولم تكن تلك الرهبة مجاملة تُقدم لضيف مكرم عادي، بل خضوعًا لقوة مطلقة
لم يأت أي رد من العربة، بل مجرد اهتزاز خفيف، كما لو أنها توافق ضمنيًا على هذا الترتيب
وقف القائد فورًا، ثم استدار نحو الحشد الراكع والحراس:
“أخلوا الطريق! افسحوا الطريق للضيف المميز! أي مخالف يعاقب بالموت!”
تردد صوته في الساحة الخالية، فأسرع الجميع إلى خفض رؤوسهم أكثر، خوفًا من أن يلاحظهم الوجود داخل تلك العربة
انهار عالم توماس الداخلي بالكامل في هذه اللحظة
كان قد سخر يومًا ممن يؤمنون بالقوى الخارقة، وسخر مما يسمى “السحرة” و”السحر”
لكن في هذه اللحظة، عرف أنه كان مخطئًا، مخطئًا بشدة
توجد حقًا في هذا العالم قوى لا يستطيع فهمها
وصاحب هذه القوة يشبه حاكمًا عظيمًا يمشي بين البشر، يستطيع أخذ حياة الآخرين بسهولة سحق نملة
بقيادة قائد الحراس، دخلت العربة الغامضة ببطء من بوابة المدينة، متجهة على طول الطريق الرئيسي نحو القصر الملكي
كان الوحش الذي يجر العربة يلمع بضوء أخضر غريب في عينيه، يمسح المواطنين الراكعين على جانبي الشارع، فيتسبب في موجات ارتجاف متتابعة
على الطريق الرئيسي للعاصمة الملكية كلها، سجد عشرات الآلاف من العامة على الأرض، وجباههم مضغوطة عميقًا على البلاط الحجري
أما الذين كانوا ممتلئين بالسخط في الأصل، فلم يبق في قلوبهم الآن إلا رهبة ورعب خالصان
“يا للعجب…”
“هذه هي قوة الساحر…”
“أي نوع من الوجود داخل تلك العربة حتى يكون مرعبًا بهذا الشكل؟”
انتشرت تعجبات منخفضة بين الحشد، لكن لم يجرؤ أحد على رفع رأسه نحو العربة الغامضة، خوفًا من أن تنفجر رؤوسهم مثل الأمير الثاني
كان العالم الداخلي للحداد قد انقلب بالكامل
لقد سمع من قبل بعض الأساطير عن السحرة، لكنه كان يزدريها دائمًا، ظانًا أنهم مجرد كاذبين يستعرضون أنفسهم
أما الآن، فقد شهد قوة ساحر بعينيه، وجعلته تلك القوة الرهيبة يشعر بالخوف من أعماق عظامه
“إنه ليس إنسانًا…”
همس توماس في قلبه، ممتلئًا بالخوف: “إنه شيطان، حاكم عظيم، وجود لا نستطيع فهمه”
لاحقًا، أُطلقت الأخبار ذات الصلة عمدًا:
كانت خطة هروب الأمير الثاني تحت سيطرة سمو أندريه منذ وقت طويل
ولم يكن ذلك المشهد الصادم سوى عرض قوة منسق بعناية
كان الهدف أن يُظهر للعاصمة الملكية كلها، بل للمملكة كلها، القوة المرعبة لذلك الساحر، وكذلك حقيقة أن الأمير الثالث عشر قد تحالف معه
بالنسبة لعامة مملكة فاروق، أصبح لدى سمو أندريه الآن حليف ساحر حقيقي؛ وكان هذا الخبر أكثر صدمة من أي جيش
من يجرؤ على معارضة وجود يستطيع تفجير الرؤوس بمجرد فكرة؟
ومن يجرؤ على تحدي ساحر لا يحتاج حتى إلى إظهار وجهه ليقتل؟
وهكذا، تحركت العربة الغامضة ببطء إلى الأمام، عابرة الطريق الرئيسي للعاصمة الملكية كله، ومتجهة نحو القصر الملكي
وخلفها، لم تترك مشهدًا دمويًا فحسب، بل تركت أيضًا خوفًا ورهبة محفورين بعمق في قلوب جميع المواطنين. في ذلك اليوم، لن ينسى كل من شهد هذا المشهد ما رآه أبدًا
حتى عندما يكبرون في السن، سيظلون يستيقظون من الكوابيس
مستعيدين ذكرى الساحر الغامض داخل تلك العربة، ذلك الوجود المرعب القادر على أخذ حياة بمجرد فكرة
منذ ذلك اليوم فصاعدًا، لم يشكك توماس مرة أخرى في وجود السحرة وقوتهم
وكلما ذكر أحدهم السحرة، كان يلتزم الصمت، ويومض في عينيه خوف لا يستطيع كبحه
بالنسبة إليه، كانت ذكرى ذلك اليوم كوسم، يستحيل محوه أبدًا
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مجرة الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل