الفصل 1175 معركة المعبر (8)
كان يوماً طويلاً، وزادت ظلال الأرواح من وطأته. ظلّت الشمس سجينةً خلف غلافها الرمادي، تأبى أن تشهد ذلك الخيار المظلم الذي أُجبر الأمير على اتخاذه.
انزلقت يد ألفيو إلى شقٍ في درعه حيث يخبئ وردةً خشبية. تلمست أصابعه المكسوة بالقفازات -والتي خدرها البرد وارتجاف الفشل- بتلاتها المنحوتة. لم يفوح منها عطرٌ زكي، ولم تكن ناعمة الملمس؛ بل كانت مجرد خشبٍ ميت صاغه الحب، ولم يبقَ فيها أي أثرٍ للحياة. ومع ذلك، حين قبض عليها، بدا له هذا التذكار أدفأ شيءٍ لمسه قط. بالنسبة لغريبٍ، لم تكن سوى حليةٍ زهيدة، تميمة حظٍ من زوجةٍ لزوجها، أما بالنسبة لألفيو، فكانت مفتاح لغزٍ لا يملك حله سواه. (اصمد).
كان بوسعه سماع صوتها يعلو فوق صرخات المحتضرين. لم يعد ذلك الفتى الأجوف الذي تحركه نيران الطموح الفارغ؛ فقد مات ذلك الطفل على الطريق، في مكانٍ ما خلف الصخور، ليحل محله رجلٌ يعيش ويقاتل ويحلم بما هو أعظم. لقد دفع إغيل الثمن الباهظ ليمنح ألفيو هذه اللحظة. كان العديد من أصدقائه يغرقون في المد الأحمر، بانتظار أن يثبت الرجل الذي اتبعوه أقدامه. السكون هو العدو، والخوف هو النهر الجارف الذي يبتلع العالم.
أدرك الآن أن الشجاعة ليست غياب ذلك النهر، بل الاستعداد للسباحة في أعماقه؛ فلا يمكن للرجل أن يدعي الشجاعة حقاً إلا حين يهيمن عليه الخوف. لقد ترك نفسه تنجرف مع التيار، غارقاً في أهوائه لفترة طويلة. لن يكون هناك أمرٌ مثالي، ولا وترٌ سحري يعزفه ليقدم له العالم النصر على طبقٍ من فضة. لم تكن هناك سوى الحقيقة المرة لهذه اللحظة. حان الوقت ليتجاوز شلل رعبه، ويتخذ القرار الذي طالما تهرب منه.
استدار، فاستقر قلبه الذي كان عاصفةً هائجة في سكونٍ مريب كبحيرةٍ متجمدة. التقت عيناه بعيني أساج، فرأى فيهما شرارة الإدراك الفوري. كان يعرف ما عليه فعله. ساد صمتٌ عميق وثقيل بين الصديقين، جسرٌ صامت من الاحترام لا مكان فيه للخلاف. أومأ أساج إيماءةً حادة، وبدا ثقل العالم جلياً في غضون وجهه، لكنه لم يعترض.
قال ألفيو أخيراً، وكانت أوامره تدوي كوقع المطرقة على السندان: «خذ باسيل، وتحرك جنوباً نحو المنعطفات. استخدم جسور القش، واجعله يعبر النهر».
«أبي!»
صرخ باسيل بصوتٍ مفجع كعويل أرملة، يقطع عزيمة ألفيو كالسيف في الحرير. تقدم الصبي، وكان صورةً طبق الأصل من أبيه في كل شيء عدا عينيه؛ فقد ورث أجمل ما في والديه. لكن ألفيو رفض أن يلتفت، ولم يجرؤ على النظر إلى ابنه؛ خشية أن يرى الرعب في تلك العيون التي طالما منحته الدفء، فيتحطم الجليد في روحه. لم يكن هذا ما يحتاجه الآن. ربما أراد دوماً أن يكون أباً، لكنه اليوم مضطرٌ لخلع هذا القناع.
«أوصله إلى والدته، أنا أثق بك. احمهِ بكل ما أوتيت من قوة. اجعله يجلس على عرش أمه، أو مـت دون ذلك. إذا كان مقدراً لنا جميعاً مواجهة الأيام المظلمة القادمة، فاحرص على أن يتبعها النور».
سأل أساج بنبرةٍ هادئة هدوءاً مميتاً، لكن تشنج فكه فضح ما يخفيه: «هل سأراك ثانية؟».
أجاب ألفيو: «سأبذل قصارى جهدي، لكن هذا لا يهم الآن، أليس كذلك؟ لم يكن يوماً هو المهم».
زأر أساج وهو يكاد يواجه صديقه وجهاً لوجه: «بل يهمني! لا تذهب وتمت هنا أيها الوغد. سأعتني بالصبي». فتح باسيل فمه ليحتج، لكن أساج وضع يده الثقيلة على وجه الصبي ليسكته قائلاً: «اصمت يا فتى، أنا أتحدث إلى والدك». ثم عاد بنظره إلى ألفيو: «ليست لدي رغبة في أن أشرح لزوجتك لماذا فضّل زوجها ضفة نهرٍ موحلة على بيته. هناك من ينتظرك، فلا تخذلهم».
قال ألفيو: «سأراك حينها».
لم يكن أحدٌ يدري إن كان هذا وعداً يمكن الوفاء به، ولا سيما هذين الاثنين. أدار حصانه وبدأ يبتعد، رافضاً حتى الالتفات إلى طفله وصديقه الذي ألقى عليه لتوّه أصعب أوامره.
وحيداً وسط هواء الخريف البارد، استعرض خياراته. قضى حياته كلها يحرك القطع على الرقعة، يحمي الملك بالتضحية بالجنود. لكن اللعبة تغيرت الآن. لقد كذب على جارزا حين أخبر قادته أنه لم يعد يملك شيئاً؛ فقد كان مخطئاً، إذ لا يزال يملك نفسه. وفقط حين يتحرك هو كقطعةٍ في الميدان، يمكنه حقاً خوض اللعبة.
أوقف حصانه بجانب فروسك، وأشار بإصبعه في الهواء، فاتجهت نحوه أنظار الرجال المحيطين به، أولئك القلة المتبقية في الاحتياط لحمايته. أمر ألفيو: «الراية». تردد فروسك والقلق يرتسم على جبينه: «ماذا ستفعل يا صاحب السمو؟». أجاب ألفيو وهو يمد يده: «ما يجب على الأمير فعله». أطاع فروسك وسلمه راية الفيلق الثقيلة. بدا ملمس الحرير غريباً في قبضة ألفيو؛ فهذه أول مرة يحملها بنفسه، ومع ذلك، شعر بأن الأمر صائب، كأنها القطعة المفقودة في لغزٍ ما.
التفت الأمير إلى حراسه الشخصيين، ذوي العباءات البيضاء الناصعة الذين ظلوا يراقبون سلامته بينما ينزف الآخرون. قال ألفيو وصوته يعلو فوق الريح، وهو يقمع ارتجاف جسده: «أعتقد أن الوقت قد حان لتتسخ تلك العباءات البيضاء. العدو على أبوابنا، فأي أميرٍ أكون إن لم أقف معكم على العتبة؟ وما نفع الحراس الذين تدعون أنكم هم إن لم تتبعوني؟».
شعر الحراس، الذين قضوا يومهم يختنقون بملل البقاء في المؤخرة، بابتهاجٍ لممارسة بعض العنف. لم يهتفوا كالمجندين الجدد، بل استلوا سيوفهم بدويٍّ رصين ومنتظم يليق بالمحترفين.
سأل فروسك بصوتٍ منخفض: «أأنت متأكد يا صاحب السمو؟ الطين أمامنا غاص بمتاريسنا، وهو فخٌ مميت للخيول».
أجاب ألفيو: «إذن سنقاتل ترجلاً».
أصرّ فروسك: «لكن العدو لا يزال يملك موجةً جديدة من الفرسان الثقيلة، ودفاعاتنا محطمة ومنهكة. إذا هاجمونا الآن…».
قال ألفيو بهدوءٍ أدهشه هو نفسه، وهو الرجل الذي قضى حياته يهرب من الظلام: «هذا لا يهم. لا بد أن يحدث هذا، فهذا هو الطريق الذي رُسم لنا، وحان الوقت لنسلكه. إذا كنت تخشى على حياتك فاذهب»، وأشار برأسه إلى الخلف: «انضم إلى ابني، وشاهد تنفيذ أوامري من أمان الجنوب، ولا عار عليك في ذلك».
نظر فروسك إلى الطين، ثم إلى الأفق الملطخ بالدماء، وأخيراً إلى الرجل الذي خدمه لعقدٍ من الزمان، فارتسمت ابتسامة بطيئة على وجهه: «كلانا يعلم أنني لن أفعل ذلك».
قال ألفيو: «وأظنني كنت أعلم ذلك دوماً». سمح لنفسه بابتسامةٍ دافئة أخيرة، لمحة من الرجل الذي كان يودعه لينضم إلى جنوده في الطين، قبل أن تتلاشى كأوراق الخريف في صقيعٍ مباغت.
ترجل عن حصانه، فارتطم حذاؤه بالأرض المبللة بوقعٍ ثقيل وحاسم. قبض على الراية بيد وسيفه بالأخرى، وهمس: «إلى الأمام»، ثم صاح بصوتٍ أعلى: «إلى القلب!».
بجانبه، تحرك الحراس ذوو العباءات البيضاء كالأشباح عبر الضباب، وقد تلطخ حريرهم الفاخر بوحل الميدان الأسود، فبدوا كبتلاتٍ بيضاء تطفو في بحرٍ من البني. اقتربوا من مؤخرة الصفوف المتعثرة، ورفرفت راية الصقر الملكية في العاصفة، تخفق بتحدٍّ إلى جانب أعلام الفيلق الذهبية. كان الهواء هنا مختلفاً، ثقيلاً بطعم الدم المعدني وحرارة اليأس المنبعثة من أجساد المحتضرين. تخطت أحذية الأمير أكوام القتلى من رجالٍ وخيول، دون أن يعيرهم انتباهاً أكثر مما يعيره لحصاةٍ على الطريق. ومن وسط ذلك البحر من الرجال الشجعان، ارتفع صوتٌ واهن ومتحشرج من التعب: «الأمير؟».
وكالنار في الهشيم، انتشرت الكلمات وتموجت عبر الصفوف بأسرع مما لو صرخ هو معلناً عن وجوده: «أهذا هو الأمير؟»، «انظروا! إنه يترجل!»، «الأمير! إنه في الميدان!». التفتت الرؤوس، وتطلعت عيونٌ جاحظة من الدهشة عبر الخوذ الملطخة بالدماء. الرجال الذين استنزفتهم ساعات الذبح، والذين شعروا بيد اليأس الباردة تخنق أعناقهم، انتصبوا فجأة في وقفتهم وكأنما أنعشتهم نسمةٌ مباغتة من رياح الربيع.
لقد حانت اللحظة، وكان يدرك ذلك جيداً؛ فلا رجوع بعد الآن. كانت هذه هي الهاوية، اللحظة التي ستكون إما حجر أساسٍ لمملكة أو شاهد قبرٍ لأحمق. أدرك أن الكلمات لم تعد تجدي، فالهواء كان أثقل من أن يحتمل الخطب. قبض على سارية الراية الثقيلة وحريرها المبتل، وبزئيرٍ بدا وكأنه يمزق رئتيه، انطلق مسرعاً متجاوزاً الخطوط الخلفية المرتعشة. اندفع عبر الفجوة التي فتحها له الرجال دون وعيٍ منهم، وعيناه مركزتان على المدى الذي يليه. وبجهدٍ من كتفيه شدّ كل عصبٍ فيه، قذف الراية.
حلقت الراية في السماء الرمادية، شريطاً ذهبياً في مواجهة السحب الرصاصية، وانغرست بدويٍّ متحدٍ في عمق صفوف العدو، كبصيص أملٍ يخترق الجانب الآخر. كانت هذه لحظته. صرخ ألفيو بصوتٍ شق أرجاء الميدان: «لقد عبرت الراية! أستتركونها وحدها؟ اتبعوا أميركم! اتبعوا علمكم! المجد ليارزات!».
وبحركةٍ سلسة، استل سيفه الطويل من غمده، فغنى الفولاذ حين لامس الهواء، صوتاً نقياً فضياً وسط ضجيج المعركة المكتوم. طوال ثلاثة عشر عاماً، ظل مختبئاً خلف الخرائط والجدران وحيوات الآخرين؛ سمح للثعلب بالبقاء حياً ليتمكن الأمير من الحكم. لكن ذلك الفتى الشاب الأحمق قد مات الآن، غارقاً في “اللامبيانيس”. لم ينتظر رداً، بل اندفع غائصاً في ذلك العالم الأحمر الذي صنعه بيديه.

تعليقات الفصل