الفصل 1183 : يوم أحمر 1
الفصل 1183: يوم أحمر (1)
كان البرد أول ما استشعره؛ برد قارس وبلوري، جعل جلده يبدو وكأنه سُلخ ثم وُضع فوق الجليد. ومع ذلك، وتحت تلك البرودة، كان دمه يجري كنهر بطيء من نار، وأعصابه تصرخ بحرارة غريبة عن ذلك الهواء البارد.
ثم حلّ الظلام. وكان العجز عن رؤية أي شيء، رغم اليقين بوجود الكثير مما يُرى، هو الجزء الأكثر رعباً.
حاول أخيرًا استنشاق نَفَس، لكن الهواء بدا صلبًا.
جاهد ليقبض أصابعه، وكانت عملية بطيئة ومؤلمة، كمن يحاول تحريك أطراف مصنوعة من الرصاص. كان عقله يأمر يده بالانقباض، لكن عضلاته تعثرت وخذلته ككلب عنيد يرفض الانصياع، تتشنج بلا جدوى وسط الوحل. بدا كل شبر من جسده غريباً، كحاكم محطمة يحاول تشغيلها بشرارة إرادة تحتضر.
ومع ذلك، كان لا يزال هناك عمل يجب القيام به، لذا وبغض النظر عن مدى أنين جسده، فقد مده بالوقود اللازم.
استنشق الهواء مرة أخرى، ولكن بدلاً من رياح “لامبيانيس” الباردة، شعر بشيء ثقيل ولزج ينزلق في حلقه. كان حلقه يُحشى قسراً.
أدرك الحقيقة أخيراً. للحظة، تملكه الارتباك وبقايا الحلم لا تزال تعكر صفو ذهنه، ثم بدأت النار تشتعل في جوفه؛ لقد كان يبتلع الطين.
انفجر منعكس التقيؤ في صدره، وفعلت نوبة الذعر بجسده المحطم ما عجزت الإرادة عن فعله: أجبرته على الحركة.
دفع نفسه للأعلى، وعموده الفقري يئن تحت وطأة الأرض. قذف بجسده جانباً، وقفازاته تتخبط في الوحل الضحل الممزوج بالدماء. أخذ يسعل في نوبات عنيفة ومؤلمة، كأنها ستمزق أضلاعه من صدره. تقيأ وهو يبصق كميات من الوحل الأسود والبني ومياه النهر الراكدة، يلهث ويرتجف كغريق سُحب للتو من قاع بحيرة.
بدأ العالم يميل من حوله، واجتاحه الدوار في موجة مروعة، محولاً السماء الرمادية إلى دوامة من الرماد. شعر بخفة في رأسه، وفراغ، وخدر رهيب. أما القوة التي استجمعها للهروب من الطين، فقد تلاشت بالسرعة التي جاءت بها.
تغيمت رؤيته، وبدا خيال حصان ميت قريب يتذبذب ويتلاشى. وبصوت خافت رطب، خذلت “ألفيو” قواه، فسقط إلى الوراء، وغاص درعه مجدداً في عناق الطين المتجمد، بينما كانت رئتاه تصدران صفيراً يائساً، هو اللحن المتعب لرجل يرفض الاستسلام للموت.
على الأقل، بات بمقدوره الآن تحريك يديه، فاستخدمهما لمسح الطين عن عدسات خوذته، مما سمح للضوء بالنفاذ أخيراً.
وعاد إليه سمعه؛ صدى اصطدام الفولاذ بالفولاذ، الذي يشبه صرير العظام، تردد داخل تجويف خوذته. بالنسبة لأي رجل عاقل، كان هذا صوت مذبحة، أما بالنسبة لـ “ألفيو”، فقد كان أجمل لحن في الجنوب.
المعركة لا تزال قائمة، والألوية لا تزال تتنفس. لا تزال لديه فرصة.
راح يخدش الأرض محاولاً النهوض، لكن توازنه كان مختلاً كبقية جسده. كلما أحرز تقدماً بسيطاً، مالت الأرض تسعين درجة، لينزلق مجدداً في الطين المتجمد. كانت حواسه مشتتة تماماً، وأذنه الداخلية غارقة في صدمة الهجوم. بدا كخنفساء مقلوبة على ظهرها، تتخبط أرجلها في وحل إخفاقها.
كانت الرغبة في التقيؤ كرة حارقة وحامضة في حلقه، لكنه قاومها. زحف على ركبتيه، وعضلاته ترتجف بجهد يضاهي رفع قلعة. بقي هناك للحظة، ودرعه موجه نحو السماء الرمادية اللامبالية، يستنشق هواءً بارداً الملمس لكنه كالنار السائلة في رئتيه.
كم مضى من الوقت؟ دقائق؟ ساعات؟ لقد تحركت الشمس، لكن الفوضى كانت عارمة، والأفق مجرد لطخة مشوشة من الدخان والحديد.
عض لسانه ليستعيد تركيزه وأجبر نفسه على النهوض. كان على وشك الوقوف، يتمايل، مستعداً لتهنئة نفسه على النجاة من الجاذبية، حين ذكّره العالم بأنه ليس مجرد متفرج.
صدم ثقل هائل جانبه؛ لم يرَ الرجل، بل شعر فقط بسلب توازنه فجأة وبعنف. في لحظة وجد نفسه في الهواء، مرفوعاً ككيس حبوب بعد الحصاد، ثم أُلقي به أرضاً بقوة جعلت أسنانه تصطدم ببعضها.
خرج الهواء من رئتيه في زفير مثير للشفقة. انزاح درعه، مسبباً كدمات في عظمة الترقوة، وقرص جلد رقبته بعضة معدنية قاسية. شعر بضغط شديد على أسنانه حتى كادت تتحطم.
استلقى هناك ورأسه يدور في دوامة جديدة، حين وصله الصوت الأول من واقعه الجديد: صرير.
صوت يشبه احتكاك شوكة بطبق جعل أذنيه تنزفان، لكن لم تكن هناك شوكة هنا. أدرك الحقيقة فقط عندما ثبّت أحدهم رأسه للأسفل؛ لقد كان خنجراً يحاول الانزلاق عبر درعه، باحثاً عن ثغرة في خوذته.
عاد الدوار الذي بدأ يتلاشى للتو، كأنه موجة مد عاتية. ومن خلال الشق الضيق في خوذته، أبصر ظل رجل يربض فوقه؛ لم يرَ وجهه، بل بضع بوصات من درعه، وأنفاسه الضبابية تمتزج بدرع “ألفيو”. جرى النصل فوق المعدن عند جبهته، واهتز الصوت في جمجمته كمنشار يقطع العظم. كان الخنجر يقترب.
ما عجزت عنه الإرادة، غذّاه الذعر والأدرينالين. كفأر محاصر بين فكي قطة، كافح “ألفيو”؛ لكمَ وركل وانتفض، وكل خلية في جسده تصرخ بأمر واحد: تحرك.. ابقَ حياً.. اقتل.
لم يدرك شيئاً سوى أن رائحة المعدن تعني الخطر والموت. أراد أن يعيش، كان عليه أن يعيش.
امتلأت رئتاه بالرعب، كثيفاً كرائحة الأرض المضمخة بالدماء التي تضغط على ظهره. كان تنفسه يأتي في زفرات متقطعة ومضطربة. “أنا ألهث بذعر”، أدرك ذلك وجاهد بشراسة لم يعرفها منذ أن كان صبياً في الرمال، عبداً مثبتاً وسلاحٌ يطلب عنقه. نظر من حافة خوذته؛ لم يكن هناك “أساج” ليهبط لإنقاذه، ولا جنود يشكلون جداراً لحمايته. الرجل الذي فوقه لم يكن يعلم حتى أنه يقتل أميراً؛ فبالنسبة لهذا الجندي، لم يكن “ألفيو” سوى جثة مغطاة بالطين تجرأت على الحراك. “اضربه! اضربه أيها اللعين! أيها الكلب! اقتله!”
سدد ضربة يائسة، لكن الرجل رد بضرب مقبض خنجره الثقيل فوق درع “ألفيو”.
تحطم. أضاء العالم باللون الأبيض.
شعر بضآلته، شعر بضعفه. كل سنوات التدريب، والعبقرية التكتيكية، وقيادة الآلاف، كانت كلها كذبة. في التراب، لا يزال ذلك الصبي العاجز، المتلاعب الذي يستخدم قوة الآخرين لافتقاره لقوة خاصة به. هنا، لا ألقاب، ولا خزائن، ولا قوانين؛ بل فقط قوانين الفيزياء الباردة وصلابة العضلات. “سأموت في هذه القذارة.. سأموت هكذا، وحيداً”.
لكن بعد ذلك، حدثت معجزة وليدة الاحتكاك والعرق؛ انزلقت يد الرجل المكسوة بالقفاز من فوق خوذة “ألفيو”، ودفعه زخمه للأمام، ليصبح وجهه قريباً بشكل خطير من درع “ألفيو”.
انفتحت الثغرة.
لم يتردد “ألفيو”؛ مد يده وتشبثت أصابعه بخوذة الرجل، وبدأ يوجه ضربات براحة يده المفتوحة إلى جانب رأس المهاجم. استخدم كل ما لديه: الكوع، وراحة اليد، والقبضات. اضرب.. اضرب.. اضرب!
جن جنون الرجل، وأخذ يلوح بخنجره عشوائياً، والشفرة تصرخ بلا جدوى ضد صفائح “الأوبسيديان” في درع “ألفيو”. كل رنين معدني كان يزيد من نيران غضبه وخوفه، لكنه دفع ذلك بعيداً؛ فالغضب لن يفيد سوى في إهدار هذه الفرصة، والخوف كان سماً.
استعاد منطقه، وأجبر عقله على التركيز، فاستجاب له كقفاز بارد ينتظر سيده. تلاشى الذعر ليحل محله عزم قاتل ومركز. توقف عن محاولة دفع الرجل بعيداً، بل… أراده أن يقترب أكثر. أراد استغلال وزن الرجل ضده.
دفع “ألفيو” صدره للأمام، وطوق بذراعه اليسرى عنق الرجل في قبضة تشبه الكماشة. عادت إليه تدريباته كأنها ملاك منتقم؛ لم يعتمد على عضلاته فحسب، بل استخدم جسده بالكامل. دار بخصره، مشبكاً ساقه وساحباً رأس الرجل للأسفل بكل ثقله.
صرخ المهاجم صرخة مكتومة خلف الفولاذ، وبدأ يطعن أضلاع “ألفيو” بالخنجر. ارتطام.. خدش.. ارتطام. كان الأمر كمن يلكم صخرة؛ فدرع “الأوبسيديان”، التحفة الفنية لحدادي “يارزات”، وقفت صامدة تتحدى كل شيء.
في تلك اللحظة، كان الفولاذ صديقاً أوفى من جيشه بأكمله.
انحنى “ألفيو” محكماً قبضته، وأسنانه مكشرة في زئير خلف خوذته. شعر بتوازن الرجل يختل، وبجاذبية “لامبيانيس” تنحاز إليه أخيراً. سقط الرجل بقوة، حيث ضربه زخمه الخاص وقوة دفع “ألفيو” في الوحل.
انقض الأمير عليه، وثبت ركبتيه فوق كتفي الرجل في القذارة. مد يده نحو وركه، وتحركت أصابعه فوق حزامه حتى أطبقت على مقبض خنجر “الميسيريكورد”. شفرة رفيعة كالإبرة استُلت من غمدها بفحيح ناعم ضاع في صخب المعركة. “دوري الآن، يا ابن العاهرة”.
تلوى الرجل، وحاولت يداه خدش درع “ألفيو”، لكن الأمير كان كتمثال من حديد. لم يكن يبحث عن ضربة بطولية، بل كان يبحث عن اللحم. انحنى للأسفل، وأخذت أصابعه تتحسس تحت اللوح الثقيل لورك الرجل، حتى وجدت تلك الفجوة الضيقة من الجلد غير المحمي خلف الفخذ؛ النقطة الناعمة والنابضة حيث ينتهي الدرع ويبدأ جسد الرجل.
عاقبه على تلك الثغرة غارزاً خنجره فيها. شعر بحلقات الدرع السلسلي وهي تنقطع، كبوابة تنهار تحت ضربات الكباش.
نفذت الشفرة، فابتسم وهو يسحبها. خرجت، ثم عادت مرة أخرى. دخولاً وخروجاً، دخولاً وخروجاً. غرس الفولاذ نصف درزن من المرات، وفي كل مرة كان الأمر يزداد سهولة ومتعة.
صرخ الرجل كخروف يُساق إلى الذبح، وهو ذات الصوت الذي كان سيصدره الأمير لو انعكست الآية، وجسده يتلوى كوحش هائج وقع في فخ. تحركت الشفرة البيضاء والرمادية كمخلب مفترس. “كيف تجرأ على فعل ذلك؟ كيف تجرأ حتى على التفكير بأنه يستحق حياتي؟”.
انتفض الرجل وتلوى، وأطرافه المكسوة بالحديد تنثر دماءً حمراء في الهواء، ولكن بينما كان المهاجم دوامة من الألم الأعمى، كان “ألفيو” عين العاصفة؛ كان بارداً، دقيقاً، كمن ينهي عملاً روتينياً.
“اهدأ”، همس بالكلمات التي ضاعت خلف عدسات خوذته الضبابية. استسلم لمقاومة الرجل، وفجأة خفف قبضته تاركاً الجندي يتدحرج على جانبه؛ كانت تلك رحمة الصياد. وبينما حاول الرجل التقاط أنفاسه، ألقى “ألفيو” بثقله فوق ظهره، وامتدت يده اليسرى لتمسك بمقدمة خوذة العدو، ثم سحبها بقوة إلى الوراء.
انحنى عنق الرجل، وبات حلقه مكشوفاً ومشدوداً كشاة ذبيحة. لم يكن يرتدي درعاً للعنق، وسيكون الأمر أسهل مما ظن.
لم يتردد؛ رفع الخنجر للمرة الأخيرة وطعنه للأعلى، دافعاً الشفرة الضيقة في التجويف الناعم تحت الفك.
توقفت التشنجات أخيراً، وتسرب ما تبقى من حياة في الوحل. قامت يدا الرجل بمحاولة أخيرة واهنة للإمساك بمعصمي “ألفيو”، وارتجفت أصابعه قبل أن تخور قواها وتسقط في الطين.
ظل “ألفيو” هناك لنبضة قلب، يراقب الضوء وهو يغادر عيني الرجل، وشعر بالرضا. كان حياً، وشعر بحياته تتدفق في عروقه أكثر من أي وقت مضى. لم يشعر بأنه أمير، ولا بطل، بل شعر بأنه ناجٍ. مسح خنجره بعباءة الرجل المحتضر، ونظر مجدداً نحو بحر الحديد الذي ينتظره.
وما إن استعاد توازنه، حتى شعر بثقل نظرة حادة تحدق نحوه مباشرة.

تعليقات الفصل