تجاوز إلى المحتوى
الفولاذ والأسى صعود ملك المرتزقة

الفصل 1187 : يوم أحمر 5

الفصل 1187: يوم أحمر (5)

خمسة الحُكَّام، وقبر واحد.

كان الموت قدرهم المحتوم الذي يسعى إليهم جميعًا.

ملعونون أولئك الذين انخرطوا في هذه المجزرة، فقد أشاحت الحاكمة بوجوهها عنهم؛ لقد نبذت كلا الجانبين، ولم تحتفِ بأي منهما. في هذا الميدان، لم يعد للآلهة أي أثر، ولم يتبقَّ سوى الرجال، وقد حصدت الحرب أفضلهم، تاركةً خلفها الخبث والفساد فقط.

ذات مرة، ركب نحو الجنوب برفقة ابن عمه الملكي، وكان رأسه يضج بأصداء القصائد الملحمية. كان يظن أنها قصة مجد، ملحمة سيقصها على أبنائه وأحفاده بجوار نار دافئة. لكن إن قُدّر له العيش ليشهد نارًا أخرى غير نيران الجنائز، فلن يجد كلمات طيبة ليرويها؛ فلا شعر يُرتجى من صوت رجل يغرق في دماء رئتيه.

“أعتقد أنك ستصبح لوردًا رائعًا.”

كانت تلك الكلمات تطارده الآن، تحوم في ذهنه كشبح لا يهدأ. كان ينبغي أن يكون فوق تلك الصخرة معه، يقاتل إلى جانبه، ويموت في ظله. لم يعرف الرجل إلا لفترة وجيزة، ومع ذلك وجد في تلك الأسابيع الموحلة صداقة أكثر صدقًا مما شعر به تجاه أبناء عمومته الذين قضى حياته يشرب ويركب معهم. كان الزمن خادعًا؛ فالرفقة الأطول لا تعني دائمًا الرابطة الأقوى.

في ضوء ذلك الأصيل الرهيب، جاب الخطوط عند قاعدة “الباستيون” بحثًا عن البقايا. أجبر نفسه على تحمل الرائحة النفاذة المتصاعدة من الموتى المنسيين منذ أسبوع. لقد وجده محطمًا إثر السقوط. أما جسده… فمن الأفضل ألا يفكر فيه. لا يجب أن يُخلد ذكر “مورس اليد اليسرى” ككومة من العظام المهشمة والصوف الممزق كما كان في أنفاسه الأخيرة، بل يجب أن يُذكر كرجل صلب الإرادة، روح لم يرهبها حقد الأمراء الأربعة.

كان من الظلم أن يذهب ضحية لهذا الوحل، بينما نجا الأمراء الذين قادوا هذه الكارثة. ولكن لماذا لم يكن معه؟ كان ينبغي أن يسقط إلى جواره. كانت شفرته مخضبة بالأحمر، فلماذا لا يزال يتحرك؟ في هذه اللحظة، لم يكن وعد “اللوردية” هو ما يبقيه فوق سرجه في هذا اليوم الرمادي البائس؛ فقد صار اللقب كأنه رماد في فمه. فأي لهب ذاك الذي يدفعه للأمام وسط أهوال الميدان؟

كان يركب بين الملعونين، ينحني من سرجه وهو يوجه ضرباته. كان جواده يصهل احتجاجًا، وعيناه تدوران رعبًا كلما أجبر الوحش على الاندفاع نحو حديد خطوط العدو.

*لماذا أقاتل؟ لماذا أنا هنا؟*

أطاح برامي سهام؛ غاص السيف عند الكتف ليعض بعمق، متوقفًا فوق الإبط مباشرة. جعل زخم الاندفاع انتزاع الفولاذ الملطخ بالدم سهلًا، تاركًا جثة أخرى بلا اسم يبتلعها الوحل. لم يمنحه هذا الفعل أي غبطة أو شعور بالإنجاز؛ كان مجرد عمل روتيني في مسلخ. أبطأ من سرعته، بينما كانت حوافر جواده تعجن الطين الكثيف الداكن. نظر إلى الفوضى السوداء المتموجة تحت قدميه، محيط متلاطم من الطين والدم وبقايا مئات البشر المطحونة.

في تلك اللحظة، شعر بالثقل الساحق لضآلته. لم يعد يرى الجيوش العظيمة كآلات دولة مهيبة، بل ككومة من الديدان تتلوى في جرة، تلتهم بعضها البعض بلا سبب سوى أنها محاصرة معًا في الظلام، ولا مخرج لها إلا عبر جثث الآخرين. نظر إلى الشعار المتصاعد على صدره، ربما العضو الوحيد من العائلة الملكية الإزفانية الموجود في هذا الوحل.

ما قيمة الإنسان في هذا المشهد؟ لورد، جندي، ملك؟ كلهم مجرد ديدان تحفر في الوحل، عمياء ويائسة، تنتظر كعبًا لا تراه ليسحقها في الطين. كانوا فقط يزجون بالوقت.

أدرك حينها أن “اللهب” الذي يدفعه للاستمرار لم يكن شجاعة ولا طموحًا، بل كان رد فعل غريزيًا بسيطًا؛ غريزة الديدان في الاستمرار بالحفر والحركة، حتى تسترد الأرض أخيرًا ما يخصها. كانت الحاكمة صامتة، والأمراء في أمان، والديدان جائعة. أحكم قبضته على سيفه واندفع مجددًا نحو الدخان، مخلوق صغير فارغ يبحث عن شيء آخر ليقتله قبل غروب الشمس.

لكنه كان كاذبًا؛ يكذب على نفسه بتلقائية كما يتنفس، جاعلًا من الخداع غطاءً سطحيًا للحقيقة. لم يكن هناك ليزجي الوقت أو ليلعب دور الدودة المطيعة. ففي أعماق روحه، اشتعلت رغبة رهيبة، جمرة ظن أنه أخمدها تحت وطأة حزنه، لكنها اتقدت مجددًا بصوت مدوٍ وحارق.

بالكاد ميز ذلك الشكل؛ رآه مرة واحدة من قبل، ظلًا متألقًا خلال المفاوضات حين جعل من الأمير “سورزا” أضحوكة علنية. حينها، كان أمير يارزات متدثرًا بالجزع، وتاج فضي مدمج في خوذته كنجم متجمد. أما الآن، فقد غدت دروعه حطامًا، ملطخة بالتراب ودماء الجنوب. كان الرجل يرتدي الموت، يسير عبر المجزرة كما لو كان مهندسها.

تملكت مارفي دهشة خالصة كادت تطغى على غضبه. كيف لا يزال واقفًا؟ كيف لا يزال حيًا؟ كان بقاؤه معجزة، وإهانة مريرة لأولئك الذين بدأت أجسادهم تبرد في الوحل. ومع ذلك، فإن رؤية الأمير في خضم الدماء، يفعل ما لم يجرؤ ابن عمه الملكي مارفي على فعله، أكسبه قدرًا من الاحترام المتردد.

كان غارقًا في المعركة، سيفه كحاكم إيقاعية للموت، ومع ذلك كانت عيناه تلتفتان بعيدًا، ليس نحو رجاله، بل شرقًا نحو الشمس المشرقة. تتبع مارفي نظرات الأمير ليرى الهدف الثاني: المجنون الكاكوني. كان “ميرلاو” واضحًا لا يخطئه أحد، درعه الذهبي يعكس غرابته الخاصة، منارة من الجمال المرعب وسط القذارة.

كلاهما سيموت، لكن الأمير الفلاح سيكون أولاً.

“أمير يارزات!” صرخ مارفي، لكن صوته كان مجرد حصاة سقطت في محيط هائج من الفولاذ، لم يكد يُسمع. “فلاح!”

وبشكل لا يصدق، التفت ذلك الشكل. بدت العيون المتوارية خلف ذلك الدرع المشوه الملطخ بالطين وكأنها تتقد، تحترق بغضب يضاهي غضب مارفي. بدا وكأنه جثة رفضت الاعتراف بموتها، شبح لا يزال يطارد عالم الأحياء. عدّل أمير يارزات وقفته، ورفع سيفه الطويل في وضعية دفاعية منهكة لكنها قاتلة.

“من أنت؟” نادى بصوت يغلفه التعب.

ردًا على ذلك، قدم السير مارفي، ابن عم العائلة الملكية في إزفانيا، وصديق الرجل القتيل، وطالب الانتقام، التعريف الوحيد الذي يهم: “موتك!”

دفع جواده للأمام بجنون، عازمًا على جعل الفولاذ ينطق بالنيابة عنه. غرست حوافر الوحش في الوحل وهي تندفع نحو الرجل الواقف على قدميه. في حياة أخرى، أو حرب مختلفة، لكان من العار عليه مطاردة نبيل بهذا المقام وهو راجل في الوحل، لكن الشرف غرق في النهر منذ ساعات. فالبحث عن إبرة في كومة قش مشتعلة أهون من العثور على ذرة من الفروسية في هذا الميدان.

كان لا بد للأمير أن يسقط؛ فديون “مورس” و”الباستيون” وكبرياء “إزفانيا” مكتوبة بالدم، ومارفي عازم على التحصيل. لم يعد يملك رمحه الذي تحطم على صدر “يارزات بلاك سترايب” في الهجوم الصاعق الأول، لكن سيفه كان كافيًا لحصد الأرواح. كانت حوافر جواده تضرب الوحل، ساحقة رأس جندي صريع كأنها ثمرة ناضجة، لتنثر رذاذًا أحمر في الهواء الرمادي وصل إلى عينيه.

بعد نبضة قلب واحدة فقط، صار فوق فريسته. هوى بسيفه؛ بل ضرب بدقة مستغلًا كامل زخم جواده. تصادمت الشفرات برنين حاد يتردد صداه في العظام. شعر بوهن في سيف الأمير، بينما انحنى “الثعلب” بجسده برشاقة يائسة، ليمر الجواد المندفع كقذيفة أخطأت هدفها. جذب مارفي اللجام، فانتفض جواده المزبد وهو يدور في الوحل.

اليوم سيموت الثعلب.

كان الاشتباك الأول مجرد تمهيد؛ فكال للأمير ضربة تلو الأخرى. هاجم بلا هوادة، كأنه سيل من الحديد والعضلات. كان الأمير كظل في الوحل، ينزلق دائمًا قبل أجزاء من الثانية من ملامسة الفولاذ لجسده. أخيرًا، سدد مارفي ضربة نحو الكتف؛ انزلقت الشفرة بصرير معدني وشرارات متطايرة، مارة بمحاذاة عنق الأمير.

حاول بعض الحمقى التدخل، ملقين بأنفسهم أمام الفارس بشجاعة يائسة، لكن مارفي أطاح بهم دون تفكير؛ فجنونهم كان درعًا واهيًا أمام فارس مدجج بالسلاح. استطاع رؤية سيف الأمير يرتجف الآن بعد الجولة الرابعة. لم يهم إن كان السبب هو الإرهاق أو قبضة الخوف الباردة؛ فمارفي كان يدرك أنه الممسك بزمام هذه الرقصة. اندفع مرة تلو الأخرى، وجواده كأنه منجنيق من اللحم والدروع، بينما بدا الأمير المحتضر كبوابة تنتظر من يحطمها.

بدأت حركات الأمير تفقد دقتها، وأدرك الفارس ذلك على الفور؛ فالقلق والتعب هما الجلادان اللذان يصرعان العظماء. وفي عجالته لتفادي الهجمة التالية، تعثر كعب “الثعلب” بساق جثة متصلبة؛ جندي عادي صار حجر عثرة يقتل ملكًا. سقط في الوحل بقوة؛ وحيدًا، مصابًا، وضعيفًا. متى ستجود عليه ساحة المعركة بفرصة كهذه مجددًا؟

دفع مارفي جواده للأمام للمرة الأخيرة، وقلبه يقرع ضلوعه بشدة. سيقطع رأسه، ويطوف به أمام خطوط يارزات ليشاهد معنوياتهم تنهار كأوراق جافة. نعم… ستُنسج الأغاني عن “ديك إزفانيا”.

كان الفارس عازمًا على القتل، عيناه مثبتتان على الأمير الصريع، مهووسًا بإنهاء حياته بيده لدرجة أنه لم يلحظ الخطر القادم من الوحل. رجل مجنون، مجرد فلاح سُلّم رمحًا وسببًا للقتال وجشعًا لغنائم محتملة، اندفع من وسط الدخان بشجاعة لم يمتلكها إلا في لحظة جنون. بزئير غير مفهوم، غرز الرجل رمحه في خاصرة جواد مارفي. استقر الرمح هناك كراية فاتح غُرست في القلب.

ثم انفجر الجنون.

أطلق الفحل صهيلًا مدويًا يفيض بالرعب. وبدلاً من السقوط أمام الموت، استسلم الوحش لهياج أعمى. شبّ الجواد على قدميه، وضربت حوافره الضخمة في رد فعل أليم، لتسحق صدر القاتل وعنقه، بينما أُلقي بمارفي بعيدًا عن السرج. اندفع الجواد نحو الضباب، كتلة من الغضب المحتضر، مخلفًا وراءه أثرًا من الدماء والأحشاء المتدلية فوق عمود الرمح الذي غدا بلا فائدة في الوحل.

حطمت الصدمة عالمه إلى آلاف الشظايا المتلألئة. بدأ يخدش الوحل بيأس، محاولًا الوقوف، بينما كانت أصابعه تتخبط فوق الأجساد الرخوة والزلقة. كان فارسًا؛ مكانه فوق السرج، لا في جوف الأرض. رفع رأسه بصعوبة، وعنقه يئن من أثر سقطته العنيفة. بحث عن بريق الفولاذ الإزفاني، وعن رايات عائلته المألوفة، لكنه كان مندفعًا في صيد “الثعلب” لدرجة أنه تجاوز خطوط الأمان؛ لقد توغل عميقًا، عميقًا جدًا، في قلب العدو.

لم يكن وحده في المعركة، لكنه لم يجد صديقًا واحدًا حوله. كانوا الرجال الذين نساهم العالم: فلاحون، ودباغون، وحثالة بلا أسماء. نهضوا كأرواح منتقمة، يغطيهم الطين والدماء الجافة. لم يحملوا سيوف النبلاء المصقولة، بل مطارق ثقيلة وخناجر صدئة وهراوات مثقلة بالرصاص. كانت نظراتهم فارغة، خالية من الرحمة التي ظن مارفي دومًا أنها حق مكتسب لنبله.

“لا!” صرخ مارفي بصوت متهدج وهو يدرك نهايته: “لا! لا، لا، لا! أستسلم! أنا ابن عم الملك! سأدفع فدية! أستسلم!” لكن كلماته ضاعت في ضجيج المعركة. قبضت يد خشنة وقاسية على كتفيه، لتثبته في الطين. أمسك أحدهم بخوذته ودفعه للأسفل، بينما ضغطت ركبة أخرى على ترقوته من الخلف. تخبط بيأس كوحش محاصر، وساقاه تضربان الوحل بلا جدوى.

صرخ مجددًا: “أستسلم!”، وعيناه متسعتان رعبًا وهو يرى رجلًا بآنف مهشم يحمل مطرقة ثقيلة ويتقدم نحوه. لا! لا! لن أموت. ليس الآن! ليس بهذه الطريقة!

وجه لكمة إلى وجه أحدهم، فربما حطم أنفه وأطاح ببعض أسنانه، لكنه تلقى في المقابل ركلات على رأسه، وركبًا تثبت جبهته في الأرض، حتى لم يعد يرى سوى أحذية قاتليه المجهولين. لم يكن للشرف مكان هنا؛ فلا شيء يُعثر عليه في الوحل. لم يبقَ سوى الصوت المكتوم والمنتظم للمطرقة وهي تهوي على الفولاذ، وصرخات مخنوقة لفارس نسي أن الدودة، مهما عظم شأنها أو سمنت، تظل في النهاية مجرد دودة.

التالي
1٬181/1٬195 98.8%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.