تجاوز إلى المحتوى
الفولاذ والأسى صعود ملك المرتزقة

الفصل 1190 : يوم أحمر 8

الفصل 1190: يوم أحمر (8)

تقدموا للأمام بقوة وعنفوان لم يعهداه من قبل. كان الرجال يتساقطون أمامهم كالقش تحت ضربات شفراتهم الإيقاعية، وتحولت تضاريس الميدان إلى عقدة مستعصية؛ فقد تحطم الجناح الأيسر واندفع نحو القلب حتى اصطدم بزاوية حادة بفرسان الاحتياط الذين كانوا لا يزالون يحاولون امتطاء خيولهم. أما الفيلق الذي دُفع سابقاً إلى حافة الهاوية، فصار الآن يشق دروباً واسعة ومخضبة بالدماء وسط صفوف العدو، وكأنهم لم يغرقوا في أتون تلك المذبحة لساعات.

غدت الخطوط المتماسكة مجرد ذكرى غابرة، وتلاشى الانضباط الذي كافح الأمير للحفاظ عليه لصالح الوحشية المحضة؛ معركة فوضوية مالت كفتها لصالح جيوش اليارزات والكوكونيين. ورغم جراحهم وإرهاقهم، فقد تأججت فيهم روح حادة كالنصال، مدعومة بقيادة رجال عبروا عتبة الجنون.

لم يكن بالإمكان إيقاف المذبحة، ولم يحاول أحد خوض هذه المهمة أصلاً. انفجر الاحتقان الناجم عن ساعات التراجع واليأس في نوبة غضب عارمة، لتجد ضحاياها في كل بائس بقي في الميدان بدلاً من الفرار. غاب الشرف والفروسية؛ فما إن يسقط الفارس في الوحل حتى تنهال عليه الهراوات والفؤوس.

تلك القسوة التي كانت تجعل ألفيو يأنف منها سابقاً، صارت الآن أمراً عادياً كالتنفس. لقد قاد هؤلاء الوحوش إلى انحدارهم لأنه، في أعماق صدره، أدرك أخيراً سر لهيبهم.

بينما كان يرمق الشمس الذهبية على تلك الراية، عين الغطرسة المتلألئة في عالم قرمزي، عاد إليه صديق قديم حاول طويلاً دفنه تحت صخور النسيان.

تملكه الغضب؛ كان يعوي مع كل قتيل يُقدم له، ويخرخر طرباً لولاء الرجال الذين تبعوه وهم يمزقون صفوف المعارضة كأسماك القرش وسط سرب من التونة المذعورة. بات غير مبالٍ بالجروح، غير مكترث بآلام الجسد، حتى لم يعد هناك فرق بين الرجل ونصله. كلما ترنح إثر ضربة، أو انزلق فوق أحشاء قتيل سقط للتو، كانت نظرة واحدة إلى جائزته كفيلة بتبديد كل متاعبه.

لقد ظنوا حقاً أنه سيسمح لكل شيء بالانهيار.

توهموا أن بوسعهم غزو أراضيه، وحرق حقوله، وتقويض ثمرة عمل حياته، الأثر الوحيد الذي سيخلد اسمه في التاريخ. لقد جاءوا من أجل تربته، من أجل ياسمين، وروزاليند، وريحان، وجارزا، وأساج، وإدريك، وريكيو، ومن أجل ذكرى إغيل.

وافترضوا أنه سيتوارى كلص في جنح الليل، أو يعود إلى دياره ليختبئ خلف ثياب زوجته.

ادعى نيبادور أنه لن يقبل ألفيو نداً له إلا إذا جثا ذلك الثعلب على ركبتيه. لكنه كان يدرك عزيمته؛ ففي العالم الذي خطط لحكمه، لا مكان لثعلب يختبئ بين الأعشاب.

حسبه أمراء أويزينا وكاكونيا وإزفانيا أحمقاً وضعيفاً، وتوقعوا أنه سينكسر عند أول لمحة لأعدادهم الهائلة، وأن بإمكانهم الانغماس في غزوهم دون عواقب.

لم يدركوا ما الذي جلبوه على أنفسهم.

وبينما كان الرجال يتساقطون أكواماً من حوله، والجنود يصرخون بنشوة قاتلة وهم يستحمون في دماء الغزاة، وبينما استعاد المتمردون قوتهم لتكون قضيتهم هي العدالة الوحيدة المتبقية في هذا التراب، شهد الجنوب أخيراً رد ألفيو.

لقد كان هذا حصاد غرورهم.

انكشف زيف ذلك التراجع السابق، وتلك اللحظة العابرة من الجبن، وتبين أنها كانت مجرد قشرة تخفي وراءها عزيمة صلبة. فبينما شق ألفيو طريقه للأمام، شهد الانهيار التام لآخر دفاعات قلب جيش أويزينا.

كان التباين بين الموت والحياة صارخاً؛ فبينما ازدادت مقاومة يارزات صلابة مع كل ضحية تسقط، صقلتها حرارة المذبحة وفخر جيش لا يعرف الهزيمة، كان أعداؤهم يذوبون كالثلج في مهب الصيف.

وكلما اندفعت نحوهم تلك النيران القاتلة باللونين الأسود والذهبي، تبخرت روح الأويزينيين. كانت الحكمة القديمة صادقة: تتضاعف الفرص كلما اغتُنمت، ولكن فقط لأولئك الذين تملك أرواحهم الجرأة لدفع ثمن الجزار لقاء مساعيهم.

شعر ألفيو بضعف روحه مرة واحدة هذا اليوم، كبناء عظيم تبين أنه هش أمام أول نذر العاصفة. أما الآن، وفي قلب العاصفة، كانت سفينته العظيمة تمخر عباب الأمواج المتوجة بالدماء، كسيّد لا يُنازع في بحر قرمزي.

أُبيدت الموجة الأولى من العدو. هوى سيفه على ساق، فشق العضلات حتى جثا الرجل؛ ثم على ذراع، فبترها عند المفصل؛ ثم على صدر، حيث نفذ نصل السيف بين الأضلاع. لم يتوقف لمشاهدتهم وهم يسقطون.

ثم جاءت عقبة أخرى، فأخرى، وأخرى.

استحال العالم إلى مشهد مضطرب من الخشب المتشظي والحديد الصاخب. لم تعد الفوضى أمراً يمكن السيطرة عليه، بل غدت واقعاً يجب التعايش معه. اندفع نحو غابة الرماح، وكان نصل سيفه كلسان فضي يلعق الحياة من الحناجر بضربات إيقاعية. كل عقبة كانت مجرد طيف ينتظر دوره.

المزيد… كان هناك المزيد من الأعداء ليُقتلوا، والمزيد من الأراضي لتُفتح، والمدن لتُحتل. لم يبدأ هو هذه الحرب، لكنه هو من سيضع خاتمتها.

كان الهواء مثقلاً برذاذ الدماء لدرجة صبغت العالم بلون أرجواني كئيب، غطى العشب بلون واحد. شعر بأسنان رجل تتحطم تحت قفازه، وبانزلاق نصل فأس رطب فوق فخذه، لكنه تجاهل الأمر وكأنه مجرد إزعاج بسيط، رغم النبض والألم.

هذا المجهود مقدم لكم مجاناً من مَــجـرّة الـرِّوايات، فلا تدعم لصوص المحتوى. galaxynovels.com

كان كإعصار من الموت والكراهية، يشق الحشود بجنون يضاهي جنون ميرلاو. ومن حوله، كف رجاله عن كونهم مجرد جنود؛ صاروا قطيعاً من الذئاب التي نسيت الجوع، يقتلون الآن من أجل نشوة الضربة المحضة. كانوا يخوضون في تلال الموتى، وقد تلطخت معاطفهم السوداء والبيضاء بالدماء لدرجة أنهم جميعاً صاروا يرتدون زياً واحداً قاني اللون.

«اقتلوهم جميعاً!» صرخ صوت من أعماق الصفوف، وبقدر ما استطاع ألفيو أن يدرك، ربما كان ذلك صوته هو. أين كان يخفي كل هذا اللهيب؟

تملكه حماس جامح، ودفع الأدرينالين جسده إلى أقصى حدوده، رغم استنزاف كل خلية في جسده للطاقة. كان الخيط الفاصل بين الضحك الهستيري والانهيار باكياً هشاً كالزجاج.

كان قاتلاً في الثامنة، وقائداً في السادسة عشرة، والآن ملكاً في الثلاثين. من هؤلاء الذين يأملون في إيقافه؟ أو يطمعون في قتله؟ نصف الجنوب جاء يطالب برأسه، فأين هم الآن؟

أين أبراج حباديا العالية؟ وأين صياح تلك الديوك؟ لم يرَ سوى الثور إلى جانبه وشمس أويزن التي غابت بالفعل؛ كان هذا كل ما يراه.

لم يعد ينشد النصر، بل أراد الإبادة. أراد أن يرى الشمس الذهبية وهي تُحجب خلف جبل من جثث قتلاهم. انقض على أحد الفرسان، وتلقى ضربة مطرقته بذراعه، فعض على لسانه من شدة الألم وطعن بسيفه للأسفل بينما سقطا معاً في كومة من الأطراف، وبقوة اخترقت خوذة ذلك الوغد.

المزيد والمزيد… كان يندفع بوقود لن ينضب حتى يخيم الصمت على الميدان، ويُدفن آخر المتغطرسين في الطين.

تصدى للرماح المصوبة نحو عنقه، وصرخ الخشب تحت وطأة درعه وهو يقتحم صفوف الحرس. وبحركة سريعة وسلسة من معصمه، غرز شفرته في مفصل كوع الرجل، وانزلق النصل في جسد الرجل المحتضر الذي انهار على ركبتيه يرتجف ويئن في الوحل.

يا للغرابة! أن يجد وحش غارق في مجزرته الخاصة أن ما أوقف هجومه لم يكن سيفاً، بل وجهاً.

خلف خوذة محطمة، برزت عينان واسعتان دامعتان، ذكرتاه بدموع ابنه. كان الصبي صغيراً، صغيراً جداً. ربما كان مجرد وقود للحرب انتُزع من قريته في حملة يائسة لجمع الرجال، أو ربما كان حالماً سار نحو الجنوب طمعاً في كيس من الفضة وحكاية يرويها لأمه.

«رحمة…» خرجت الكلمة من حلق الصبي، ممتزجة بالتراب على شفتيه، حين أدرك أن الحرب ليست سوى جنون وبؤس. «ر-رحمة، أرجوك… أتوسل إليك، رحمة.»

في هاتين العينين، رأى ألفيو الجنون المطلق لحرب لم يكن للصبي يد فيها، لكنه صار جزءاً منها. رأى أمل أم وفخر أب، ووجنتاً لا تزال تحمل زغب الشباب الناعم لحياة قصيرة جداً.

«بحق الحاكمة… أرجوك، أنا.. لا أريد-» لكن ألفيو هوى بشفرته للأسفل.

لم يكن هناك الحُكَّام في هذا الميدان، تماماً كما لم تكن هناك رحمة. لم يوجد سوى البشر؛ لا شياطين ولا ملائكة، فقط أجساد دافئة تحمل أنفاس حياة عابرة قبل أن يبتلعها فراغ الموت البارد.

البشر هم من يصنعون النعيم والجحيم؛ وحين نظر ذلك الفتى إلى الظل الذي يلوح فوقه، لم يرَ سوى شيطان.

كان هناك فتى واحد، يشبه كثيراً ذلك الطفل المتألم المحتضر في الوحل، والعدالة التي حلم يوماً بإرسائها في العالم لم تكن سوى وعد من شبح. إن كان يرغب حقاً في زراعة بذور الخير، فعليه أن يستعد للحصاد بأدوات الشر؛ إذ لا يمكن لأي خير أن ينبت من رحم الشرف.

العظمة لا تسير إلا جنباً إلى جنب مع العظمة، أما الضعفاء، فمصيرهم النسيان في الوحل، ما لم تشملهم رحمة نابعة من نزوة عابرة.

وبينما وقف هناك، ارتفع زئير جيش وجد المجد في قلب الهزيمة، وكانت خطوط الأويزينيين تتكسر وتتفكك وتذوب كالثلج تحت شمس سوداء، بينما يهمس النصر بلحنه العذب في أذنه؛ حينها أدرك الحقيقة الوحيدة القائمة.

أدرك ذلك في تلك اللحظة، وشعر به في كل ذرة من روحه المعذبة. فمن خلال نهاية الآخرين، وصل أخيراً إلى بدايته الخاصة.

وسط عويل رياح الموت وتلال القتلى، وبين صرخات الوحوش وأنين المنكسرين، وتحت أنظار الغربان الناعقة والشمس الشاحبة، انبثقت حقيقة جديدة من الوحل.

لم يعد هناك أمراء في الجنوب، ولا إمارات؛ لم يبقَ سوى الرعايا، وسيد واحد.

لم يعد شعاره برج والده، بل الصقر الذي يحلق في قلب العاصفة.

لم يكن هناك سوى ملك واحد يمتد ملكه من الجبال إلى البحر، والاسم الذي همست به الرياح الباردة في ذلك الميدان الرهيب، في ذلك اليوم الأحمر، كان اسماً واحداً فقط… ألفيو.

التالي
1٬184/1٬195 99.1%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.