الفصل 1191 : يوم أحمر 9
الفصل 1191: يوم أحمر (9)
تتلاشى قصة وتبدأ أخرى، وتتوقف قصة لتتصادم مع غيرها مثل الأجساد التي تتقاذفها تيارات النهر مع ذلك الصوت الذي يشبه الرعد. وهكذا، وكما أن أسباب الحياة، أو الحب والكراهية، تظل غير محسوسة، توقفت تلك القصص عن كونها وحيدة، حتى تجمعت جميعها في كتاب عظيم واحد حيث يتلاشى الحبر، وينسكب ثم يجف.
توقف الزمن عن كونه نهرًا وأصبح بركة راكدة. نزف الماضي والمستقبل في حاضر واحد خانق، حتى اختُزل العالم في تلك المسافة بين حافة نصل سيفه وحنجرة الرجل التالي. كانت جبال الجثث التي تركها وراءه تتطاير مثل الرماد؛ مخاوفه، طموحاته، وحتى اسمه، ذاب كل ذلك في الطين ليختفي قبل أن يطفو مرة أخرى.
لكن ليس الآن. لقد كان كل شيء طويلاً وصعباً للغاية.
لم يكن رجلاً، ولم يكونوا رجالاً أيضاً؛ بل مجرد ملحقات لذلك الجحيم، قُدّر لهم أن يرقصوا حتى يأتي الموت ليحصد أرواحهم الملعونة.
غالباً ما يتأمل الرجال فيما يمكنهم فعله في الحرب، لكنهم نادراً ما يتوقفون للتفكير فيما تصنعه الحرب منهم. إنها عملية تجريد كبرى؛ تنزع الروح، وتحرم الرجل من كل شيء باستثناء الفولاذ في يده والقوة البدائية المطلوبة ليغمر نفسه بالأحمر. كانت السلالات ذات الألقاب وجبال الفضة أقل أهمية من الحصى تحت حذائه. لم يكن هناك سوى أنفاس وحشين متشابكين في رقصة، حتى توقف نَفَس أحدهما وبقي الآخر ليبحث عن التالي.
بدأت السماء، التي قضت يومها على وشك البكاء، في التمزق. انسكب الضوء الأول من تلك الظهيرة التعيسة عبر الوادي، مثل بركة ذهبية باهتة على حقل من الفوضى كان ليشكل لوحة فنية لأي أحمق يحمل فرشاة.
تحرك ألفيو كأنه في حلم، حلم مضطرب ومفروض على طفل يغمض عينيه لينجرف في كابوس. أوقف عقله، كاويًا كل فكرة غير ضرورية لعملية الحصاد. تحرك واقتل. تحرك واقتل.
طعن، تنفس، التواء.
تأرجح، تنفس، استرجاع.
صد، حطم، حطم، تنفس.
لم يعد هناك أمير. لم يعد هناك أب، ولا زوج، ولا ذلك الرجل الذي استُعبد ذات مرة برائحة المخطوطات الجافة والنبيذ القديم. كان حديداً. كان فولاذًا باردًا لا يلين.
كان العالم ضباباً متلألئاً من العنف الحركي. كان الرجال يركضون في اتجاهات متعاكسة مثل الظلال التي تهرب من النار؛ وكان الهواء جوقة من أنين الموت، وعواء الرياح، وصراخ المنتصرين البدائي. فعل كل ما يحدد مكانه في الكون، سواء كان ذلك المكان عرشاً فوق أنهار الإنسانية أو حفرة تحتها، لم يكن يعرف ولا يهتم.
كان غارقاً في التيار، يغرق في نشوة النصل، عندما استعاد العالم فجأة وضوحه.
كان قد رفع سيفه ليوجه ضربة نهائية، وعضلاته متوترة لتقديم روح أخرى إلى الوحل، حين اعترض سيفٌ طريقه.
لكنه لم يتصدَّ له، لأنه لم تكن هناك حاجة لذلك؛ فلم يكن طرف النصل موجهاً نحو جسد الأمير.
كان السيف مستلقياً بشكل مسطح عبر راحتي الرجل، مقدماً المقبض لغازي الحقل.
لقد خمدت آخر جمرة من القتال منذ زمن طويل، ولم يتبقَّ سوى التطهير.
كان وجه الرجل قناعاً من الرعب الرمادي، وشفتاه ترتعشان وهو يجبر نفسه على إخراج كلمة واحدة، خافتة، وسط ضجيج الحقل.
“استسلم…”
كانت الكلمة كإبرة تخز جلد حلم ألفيو.
“استسلم! أستسلم يا أمير، أستسلم! ارحمني! أطلب منك الفدية.. ستفديني عائلتي…”
تحطمت حالة النشوة. رمش ألفيو، وشعر فجأة بأن خوذته الثقيلة والمختنقة تضغط عليه بثقل وخناق. تنفس بعمق كما لم يفعل من قبل، كما لو كان قد خرج للتو من مياه بحيرة جهنمية باردة.
تذوق ملح عرقه وحديد الهواء. نظر إلى يديه.
كانتا ترتجفان، مغطيتين بقشرة داكنة وجافة من الدم والطين.
كيف جاء إلى هنا؟ الشيء الوحيد الذي يتذكره… لم يكن شيئاً واضحاً، مجرد ضباب.
نظر حوله، ورأى الحقل على حقيقته للمرة الأولى منذ أمد. كان الهدير قد خفت إلى نبض منخفض وإيقاعي. لم يعد الأويزيون خطاً منظماً؛ بل أصبحوا قطيعاً مكسوراً ومتناثراً.
زفر زفيراً طويلاً مرتجفاً بدا كأنه صوت الموت. تراجع الشيطان بداخله لأنه لم يعد مطلوباً، تاركاً وراءه مجرد رجل فارغ يقف في مقبرة من صنعه.
رفع نظره حينها. وعبر الامتداد المضطرب للوادي، انكسر إيقاع المعركة الحديدي إلى ألف مشهد من الاستسلام.
كان العشرات، ثم المئات من الرجال يلقون أسلحتهم. كان هناك جنود مشاة عاديون، أيديهم ملطخة بنفس الطين الذي وُلدوا ليحرثوه، وفرسان نبلاء فقدوا خيولهم في الوحل الجشع، يقدمون سيوفهم في آخر عمل من أعمال الفروسية لتغطية جبن استسلامهم. كانت الأعلام الملونة للجنوب، والأقمشة والأشرطة التي كانت ترفرف مثل قوس قزح نابض في ضوء الصباح، معلقة الآن بلا حراك ومبللة، تُجر عبر القذارة.
“كيف كان بإمكانهم أن يأملوا في التفوق علينا بتلك الإرادة الضعيفة؟”
تساءل، والغضب يتصاعد في داخله. كم عدد الذين ماتوا في هذا الحقل؟ كم عدد الأشخاص الذين يعرفهم وسيراهم الآن للمرة الأخيرة بجلود شاحبة وأجساد مشوهة؟
ركعوا في الوحل، غابة من الأيدي المرفوعة تتمايل في توسل، كما لو أن ألفيو لم يكن إنساناً، بل مذبحاً يمكنهم من خلاله استعادة حياتهم بالصلاة ودون أي تضحية.
لو كان إلهاً، لكان سحقهم جميعاً مثل الصراصير. ليقطع أطرافهم، ولينتقم من لحمهم.
لكنه كان أميراً، وكان استسلامهم مطلوباً، لذا قبله.
ومع ذلك، لم يهدأ الحقل بعد. خلف صفوف الراكعين، استمر الذبح بصرخات متفاوتة. أولئك الذين لم يجدوا النعمة للاستسلام كانوا يُطاردون. كان رجال ألفيو يهاجمونهم من الخلف مثل كلاب أُطلقت على جحر أرانب.
هاجموا الفارين في الوحل، وبريق الخناجر يكمل ما بدأته السيوف الطويلة والفؤوس والهراوات والرماح. في كل مكان نظر إليه، رأى نفس الصورة المتكررة: ظهور الرجال المنحنية واليائسة وهم يركضون، والمطاردة القاسية والميكانيكية لأولئك الذين نسوا كيف يتوقفون، وحتى لو أرادوا، لم يستطيعوا.
شعر عقله بالدوار، مثقلاً بتلك اليقظة الثقيلة والضبابية التي تتبع تلاشي حلم الحمى. كان الهواء بارداً، والضوء شاحباً، وبدأت حقيقة اللحظة تستقر في عظامه مثل القشعريرة.
“المجد ليارزات! النصر! النصر لنا!”
انطلقت الصرخة بالقرب منه، صرخة تعبر عن الفكرة التي كان ألفيو عاجزاً عن النطق بها. كانت حنجرته خشنة ومؤلمة.
لم يتمكن إلا من إصدار أنين مشجع.
التقطت الساحة تلك الشرارة. اجتاحت موجة من الهتاف الوحل، ضجيج من الانتصار بدا وكأنه بكاء جماعي.
بعض الرجال انهاروا حيث كانوا يقفون، بعد أن استسلمت أطرافهم أخيراً لثقل الإرهاق؛ سقطوا في الوحل، يبكون علناً داخل قفازاتهم، وأرواحهم مستنفدة بعد كابوس طويل.
لكن الأمير وفى بكلمته، فبعد تلك الليلة الطويلة كان هناك صباح من الأمل في الانتظار.
لم يكن الجميع هادئين بهذا القدر.
ظل آخرون ضائعين في النشوة الحمراء، يندفعون للأمام مثل آلات لا يمكن إيقافها، ونصالهم لا تزال تبحث عن اللحم حتى مع اختفاء العدو. كان ألفيو يعرف أن بعضهم لن يستيقظ حقاً من هذه اللحظة؛ سيستيقظون في أسرتهم بعد عقود، وأرجلهم مبللة بالعرق البارد، وقلوبهم تدق بعنف ضد أضلاعهم، يتذكرون الجحيم الذي انزلقوا فيه حتى أصبحوا مجرد ناجين يرتدون زي الأبطال.
لم يكن هناك انتصار حقيقي في هذا الحقل الأحمر، حتى لو كان الآخرون موتى أو هاربين، وحتى لو كانت رايات العديد من البيوت الفخورة ملقاة في التراب مثل زهور ميتة.
استطلع الحقل المليء بالهتافات، وعيناه تتجولان بين المنكسرين والمبتهجين على حد سواء.
“ألفيو! ألفيو! يارزات! يارزات! فوكس! فوكس! فوكس!”
انطلقت آلاف الصرخات في جوقة عظيمة، لم تكن صوتاً مستمراً بل كبحيرة تشكلت من آلاف الدلاء.
كان هو مركز عالمهم، المحور الذي دارت حوله حياتهم، ومع ارتفاع صرخات “فوكس! فوكس!” إلى درجة تصم الآذان، شعر ألفيو بوزن كل روح في ذلك الحقل يستقر على كتفيه المتعبتين.
نظر إلى يديه الملطختين بعمق لدرجة أن الدم بدا وكأنه تسرب إلى مسام الحديد نفسها. بالنسبة للرجال الذين كانوا يصرخون باسمه، كان هو أشياء كثيرة؛ كان أميراً، ومنتصراً، وبالنسبة للبعض، كان ملاكاً.
أما بالنسبة للصبي الذي وضعه للتو تحت السيف، فقد كان شيطاناً. وبالنسبة للتاريخ، سيكون ما سيصنعه من نفسه.
ولكن بينما كان واقفاً هناك، والرياح تعصف عبر خوذته المنبعجة، كان الأمير يعرف الحقيقة. لم يفز بعالم؛ لقد أثبت ببساطة أنه يمكنه تحمل الظلام لفترة أطول من أولئك الذين تجرأوا على تحديه. كان الوحيد الذي لا يزال واقفاً على التل، ولم تكن الرؤية من القمة سوى صمت جميل ومروع.
ثم، فوق ذلك الحقل الرهيب، أشرقت.
تسرب ضوء تلك الشمس الباردة الباكية عبر الشقوق الرمادية في السماء، مثل طفل اختبأ طويلاً تحت طاولة وسط صرخات الوالدين، يطل أولاً بخوف مرتعش، ثم بتأكيد سريع ويائس لعالم أصبح هادئاً.
أحرقته أشعة تلك الشمس الكئيبة. لقد غسلت ملامح المقامر المتهور الذي رمى بكل ما يملك، بكل ما كان وكل ما قد يكون، في لعبة بدأها بلا شيء وكان لديه فرصة لكسب عالم.
وفي تلك الرمية المحمومة، وفي ذلك الاختيار غير المبرر وسط المجزرة، وجد الرجل ذو الدرع الأسود نفسه. مغطى بالذهب الباهت للشمس الباكية، مع دفء لاذع على خديه، ودموع لا يستطيع تسميتها، والملح يختلط بطعم النحاس الجاف على قناعه.
وعندما صرخ الآلاف باسمه، نظر إلى يديه المرتعشتين وأدرك أروع وأخطر حقيقة على الإطلاق:
على الرغم من الظلام، وعلى الرغم من الحديد، وعلى الرغم من الثمن الباهظ، فإنه في النهاية لا يزال حياً.
الآن، يمكنه أخيراً أن يكون أباً مرة أخرى.

تعليقات الفصل