تجاوز إلى المحتوى
الفولاذ والأسى صعود ملك المرتزقة

الفصل 180

الفصل 180

شعرت الغرفة الصغيرة خافتة الإضاءة بالضيق رغم حجمها المتواضع. جلس رجل على حافة سرير خشبي بسيط، وهو يتأوه بينما كان يحرك رأسه ببطء من جانب إلى آخر، ونظرته غير مستقرة وغير مركزة. كانت ملامحه التي كانت نبيلة في السابق هزيلة، ووجنتاه غائرتان بسبب أيام من الأرق، وبدت عيناه المحمرتان والمتعبتان وكأنهما تحدقان عبر الهواء نفسه، وكأنها ترى رؤية مروعة لا يستطيع الهروب منها.

كان كتفه الأيمن ملفوفًا بإحكام بالضمادات، والقماش الأبيض ملطخ ببهتان بدم جاف. جثا طبيب بجانبه، وفك القماش بعناية بيد خبيرة.

قال الطبيب بنبرة سريعة ومهنية: “إنه يشفى جيدًا. بضعة أيام أخرى من الراحة، ويجب أن تستعيد القدرة الكاملة على استخدام الكتف”.

لم يبدُ أن اللورد ماريك سمعه. كانت عيناه مثبتتين على الأرض، بلا حراك، ويداه ترتجفان قليلاً وكأنه عالق في ذكرى لا يستطيع التخلص منها.

همس ماريك بصوت أجش، بالكاد مسموع: “مات. ابني مات”.

توقف الطبيب، وألقى نظرة خاطفة على اللورد، لكن ماريك ظل ساكنًا، وشفتاه ترتجفان بينما كانت الكلمات تتدفق، وكأنه يتحدث إلى نفسه تقريبًا.

تابع ماريك وصوته يرتجف: “رجال القبائل… نزلوا من الشمال كالعاصفة. لقد… كنا متأكدين للغاية. الملك… قال الملك إننا سنعيدهم إلى ثلوجهم. وأننا سنصمد بقوة ضد الرجال المتوحشين. لكن… لم نفعل. لم نستطع”.

انقطع نفسه، وابتلع ريقه بصعوبة، محاولاً كبت الرعشة في صوته. “لقد ذبحونا. الآلاف… آلاف الرجال، يرقدون في الثلج. ابني… فتاي… رأيته يسقط”. تشنجت يده، وكأنه يمد يده لشيء رحل منذ زمن طويل. “لم أتمكن من الوصول إليه. لم أستطع—”

ساد صمت ثقيل، ملأ وزن كلماته الغرفة بصمت لا يطاق. تحرك الطبيب بعدم ارتياح لكنه لم يقل شيئًا، مدركًا أنه لا يوجد شيء يمكنه قوله لتخفيف آلام النبيل.

فتح اللورد ماريك عينيه، لكنهما ظلتا باهتتين ومسكونتين. تمتم قائلاً: “ما فائدة الشفاء؟ عندما يكون كل شيء آخر محطمًا؟”

تحدث الطبيب بصوت ناعم، محاولاً تقديم بعض الراحة، بعد أن شعر بعمق حزن اللورد ماريك. قال بصوت لطيف: “ابنك… مات بشرف يا لورد. لقد قاتل من أجل سارلان. موته لم يذهب سدى”.

لكن عيني ماريك اشتعلتا، وامتزج الغضب بالحزن الذي جعله فارغًا. بصق الكلمات بصوت حاد ومرير: “شرف؟ لم تكن لديه فرصة حتى. لقد أمسكوا به—أحد تلك المسوخ. كان طوله ثلاثة أضعاف طول الرجل، وبأذرع مثل جذوع الأشجار. رفعه وكأنه لا شيء، وحطمه في الأرض مثل دمية خرقة”.

التوى وجهه من الألم، ويداه ترتجفان وهو يتذكر المشهد الوحشي. “ضربة واحدة. واحدة فقط. وهو… أصبح جسده هامداً. مثل لعبة مكسورة. لا شرف في ذلك. لا مجد. مجرد موت”.

انكسر صوت ماريك، وحدق في الأرض مرة أخرى، وكأنه يبحث عن إجابات في التراب. كان تنفسه مضطربًا، وكافح للسيطرة على سيل الذكريات التي غمرته. تمتم وصوته يغلب عليه عدم التصديق: “كيف… كيف يمكن للحكام منشئ مثل هذه الفظائع؟ أي نوع من القسوة هذا؟ وحوش تعلو فوق الرجال، أقوى من أي شيء يمكن أن نتخيله. لم يكونوا رجالاً—كانوا وحوشاً. ونحن… لم نكن شيئاً أمامهم”.

انخفض صوت ماريك إلى همس مضطرب، يرتجف تحت وطأة يأسه. قال وهو يحدق في الفراغ أمامه بنظرة بعيدة: “حتى سارليون… لم تعد موجودة. ملكنا، راياتنا الفخورة، كل ذلك—ذهب”.

توقف، ويداه ترتجفان وهما تقبضان على حافة السرير. “الملك… استدار وهرب بمجرد أن توقفت خيالته تمامًا في مساراتهم. الخيول—رفضت المضي قدمًا. لقد شعروا بذلك أيضًا—الرعب. تلك الأشياء، تلك المسوخ، والوحوش التي ركبوها—عمالقة جعلوا حتى أقوى خيول الحرب لدينا تبدو قزمة. الخيول… رفضت. لم تكن أي كمية من المهماز أو السياط قادرة على دفعها للأمام”.

انفتح باب الغرفة الصغيرة بعنف، مما أرعب ماريك والطبيب. وقف جندي، أشعث الشعر ومنقطع الأنفاس، عند المدخل، والذعر مرسوم على وجهه. ولثث قائلاً: “يا لورد، رجال القبائل—لقد أتوا إلى هنا!”

تجمد ماريك، وتحول دمه إلى جليد عند سماع الكلمات. اندفعت يده إلى جبهته، وأصابعه تمسك بشعره وكأنه يحاول حجب حقيقة الموقف. تمتم وصوته مهتز وبالكاد مسموع: “اذهب بعيدًا”.

تردد الجندي، وومض الارتباك في عينيه وهو ينظر بين ماريك والرجل العجوز.

الصراعات والخسارات في الرواية جزء من البناء الدرامي فقط.

تلعثم قائلاً، غير متأكد مما يجب فعله: “يا لورد، مجموعة منهم—هم خارج الأسوار مباشرة، يجب علينا—”

صرخ ماريك فجأة بصوت عالٍ مليء باليأس والخوف: “اذهب بعيدًا! أبعد تلك الشياطين عني!” دفع نفسه بعيدًا عن السرير، وجسده يرتجف بشكل لا يمكن السيطرة عليه. تراجع الجندي خطوة إلى الوراء، مذهولاً، لكنه ظل مكانه، لا يعرف ما إذا كان عليه البقاء أم الرحيل.

تعثر ماريك، الذي تملكه الرعب، نحو زاوية الغرفة. خانته ساقاه، وزحف تحت الطاولة، منكمشًا على نفسه مثل طفل خائف. ارتجف بعنف، ويداه تمسكان بحواف مفرش الطاولة فوقه.

انهمرت الدموع على وجهه، وجسده يرتجف من النحيب. أنَّ وصوته ينكسر بينما ينهار عليه ثقل الأيام الماضية: “اذهبوا بعيدًا… اتركوني وشأني…”. وقف الجندي متجمدًا، يراقب بعجز النبيل الذي كان فخورًا في السابق وهو ينكمش تحت الطاولة، غارقًا في الخوف.

فكر الجندي وهو يراقب حالة لورده قبل أن يستدير ويغادر: “لقد ضِعنا حقًا…”.

خارج أسوار المدينة، وقفت مجموعة من رجال القبائل ينتظرون، وكان وجودهم يلوح كعاصفة في الأفق. هبت الرياح الباردة عبر الأرض القاحلة، مما أدى إلى قعقعة الكمية الصغيرة من الدروع للحشد المتجمع. خلف الطليعة وقف حشد من 3,000 محارب، وأسلحتهم مقبوضة بإحكام في أيدٍ متلهفة.

في مقدمة المجموعة وقف شخص شاهق، رجل جعل حجمه الهائل يبدو وكأنه أكبر من الحياة. كانت أكتافه العريضة مغطاة بالفراء، وفأس فولاذي ضخم يستقر على ظهره، ويلمع رأس السلاح في ضوء الشمس المتلاشي. كانت لحيته العظيمة تنسدل على صدره، مشوبة بالفضة والأسود، وتؤطر وجهًا كان متأثراً بالعوامل الجوية وشرساً في آن واحد. مسحت عيناه، الحادتان والمحللتان، الأفق، في انتظار قيام المدافعين عن المدينة بتحركهم.

وبجانبه وقف رجل عجوز منحنٍ. كان يمسك بعصا في إحدى يديه المتغضنتين، وخشبها ملتوي ومنحوت برموز قديمة. في كل مرة تلمس فيها العصا الأرض، كانت تقرع، ويتردد صدى الصوت بضعف عبر الأرض. كان جلده مجعدًا مثل الجلد القديم، وعيناه، رغم أنهما غائمتان بسبب تقدم العمر.

فجأة، صرخت بوابات المدينة وهي تفتح، وحول رجال القبائل انتباههم نحو القوة الصغيرة التي ظهرت. ركب خمسة فرسان، يرتدون ما تبقى من ألوان سارليون التي كانت فخورة ذات يوم، عبر الأرض نحو الحشد المنتظر. كانت راياتهم، الممزقة والملطخة بالتراب، ترفرف في الريح وهم يقتربون. راقب رجال القبائل في صمت، وأعينهم باردة، بينما تقدم الفرسان، الذين بدوا أقزاماً أمام الأعداد الهائلة للقوة التي أمامهم.

توقف الفرسان الخمسة على مسافة قصيرة من حشد رجال القبائل المنتظرين، وكانت خيولهم تشخر وتضرب الأرض بحوافرها بعصبية، مستشعرة التوتر في الهواء. جلس الرجال فوقهم بهدوء مصطنع، وأعينهم تمسح وجوه المحاربين الهمجيين الذين وقفوا أمامهم بلا حراك.

فجأة، خطا الرجل الشاهق في مقدمة رجال القبائل خطوة إلى الأمام. تردد صدى صوته، العميق والمدوي، عبر المساحة بينهم مثل قصف الرعد. صرخ قائلاً: “من يجرؤ على الوقوف أمامي؟” كانت عيناه تشتعلان بالهيبة، وفأسه الفولاذي العظيم يلمع بتهديد فوق كتفه. “أنا جوروندر، ابن هرولف، لورد حرب الجوغاش، وأطالب برؤية لورد هذه الأرض!”

تبادل الفرسان النظرات، غير مرتاحين في مواجهة غازيهم. نزل أحد الخمسة ببطء، وسحب نفسه من سرجه بحركة مدروسة. تقدم للأمام، وأخذ نفسًا عميقًا وهو يخلع خوذته. تحتها كان وجه شاب، لم يقسُ عليه الزمن بعد. كانت ملامحه حادة لكنها لا تزال نضرة، وبشرته لم تشبها المعارك التي تركت بصماتها بوضوح على الرجال الأكبر سنًا بجانبه. ابتلع ريقه بصعوبة لكنه وقف شامخًا، وهو يواجه نظرة لورد الحرب.

ضاقت عينا جوروندر، وارتسم تعبير مذهول على وجهه. “والدك؟” همهم وهو يتفحص الشاب أمامه. “قيل لي إن لورد هذه الأرض رجل في منتصف العمر، وليس صبياً”. كانت كلماته نصفها سخرية ونصفها تحدٍ.

أعلن الشاب قائلاً، وصوته ثابت رغم توتره: “أنا هنا مكان والدي. اسمي أريك. أنا ابنه ووريثه”. بقيت كلماته معلقة في الهواء، مزيجًا من الفخر وعدم اليقين. “والدي، اللورد هارويك، يتعافى حاليًا من الجروح التي أصيب بها في المعركة ضدكم. والدي لا يزال يقاتل، لكن إصاباته خطيرة”، قال ذلك وهو يشد فكه. “لقد وثق بي لتمثيل منزلنا في هذه الأمور”.

أطلق جوروندر ضحكة خشنة ومدوية، وزمجر محاربوه من خلفه بتسلية خاصة بهم. “إذًا والدك لديه إيمان بك أكثر مما لدي”.

اخترقت عينا جوروندر أريك، وقطب حاجبيه بينما دوى صوته العميق مرة أخرى. “هل لديك السلطة للتفاوض معي أيها الصبي؟” كانت نبرته تقطر بالازدراء، ووزن كلماته يضغط على أريك مثل حجر ثقيل.

تردد أريك، وكان عقله يتسابق. للحظة وجيزة، ومض عدم اليقين في عينيه وهو يشعر بنظرة لورد الحرب ورجاله عليه. كانت عائلته تعتقد أنه أصغر من اللازم، وأقل خبرة من اللازم. ومع ذلك، ها هو يقف هنا، يواجه العدو الذي جلب الدمار لمملكتهم.

بعد لحظة، عدل أريك وقفته، واستقر تنفسه. رفع ذقنه والتقى بنظرة جوروندر الشرسة. قال بحزم: “أنا أملكها. بصفتي ابن والدي ووريثه، لدي كل السلطة للتحدث نيابة عنه. أنا وصي هذه اللوردية بينما يتعافى”.

خلفه، تحرك الفرسان الأربعة في سروجهم، وبالكاد استطاعوا إخفاء ذهولهم. تبادلوا النظرات، ومن الواضح أنهم فوجئوا بجرأة الشاب. ففي النهاية، والده لم يمنحه مثل هذا اللقب بعد. ومع ذلك، كانوا يعرفون جيدًا ألا يزرعوا الفوضى في تلك اللحظة، عندما كانت كل ثانية في هذا الاجتماع يمكن أن تقرر مصيرهم.

التالي
180/1٬136 15.8%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.