تجاوز إلى المحتوى
الفولاذ والأسى صعود ملك المرتزقة

الفصل 21 : إرادة السلطان

الفصل 21: إرادة السلطان

تحت شمس الظهيرة العالية، وبينما تتساقط أشعتها الذهبية على عالم البشر، كان العالم في الأسفل منقسماً في نظرها. في الأراضي والبحار الخضراء والخصبة لإمبراطورية روميليا، كانت الشمس مُبجّلة كهدية من الحكام السماويين. ولكن في رمال أوش المقفرة، كانت الشمس حاكماً خبيثاً يطالب بالاسترضاء عبر النار ودماء المهرطقين.

في قلب ساحة واسعة، ومضت المشاعل في تشكيل دائري حول محرقة شاهقة، كانت ألسنة لهبها تلعق السماء بحدة شرسة تشبه حدة حاكمهم. واصطف حول المحرقة مجموعة من كهنة حاكم النار يرسمون رموزاً معقدة بالفحم الأسود على الأرض، صامتين ومخلصين في عملهم.

“ستهاجم الخنازير الأفعى، وسينال الرمل الساخن حقه ويبصق العظام مرة أخرى.”

وقف عشرون رجلاً مقيدين ومكممين أمام المحرقة، وكانت صرخاتهم اليائسة مكتومة بقطع القماش المحشوة في أفواههم. بدت بشرتهم الشاحبة والصافية وكأنها تنفر من لمسة الشمس، كما لو أن أشعتها نفسها تتجنب وجودهم، وهو ما يتناقض بشكل كبير مع بشرة الناس الذين يعيشون تحت حكم السلطان. تدلت ضفائر طويلة من رؤوسهم، تتمايل كالسياط بينما كانوا يتخبطون ضد قيودهم، واخترقت صرخاتهم المكتومة الهواء بينما كانت حرارة النار تشوي لحمهم، وتحرق بشرتهم وتحمص اللحم. كانوا آخر جزية من البدو الذين يعيشون في عمق السلطنة.

“ستخرج الآفات والذباب من فم الصياد، حيث يكمن لحم الخنزير الطري”. قيل ذلك للسلطان من قبل، ومثل الشمس بعد الليل، نهضت تلك الكلمات من رماد الليل.

“بشرتك نارية وحمراء، لعظمتك، هكذا سيقدم لك ابنك الهدايا!” غنى صوت المرأة، بينما كان شعرها الداكن يتطاير حول وجهها. كانت عيناها مكحلتين بطباشير الطقوس المكرم، وثمة ثلاثة خطوط تنزل من كل جفن إلى ذقنها. ومع كل كلمة من ترنيمتها، كانت ترفع عصا عالياً فوق رأسها، ويتردد صدى الضربات الإيقاعية في الساحة.

“بارك ابنك وقده إلى القدر، بارك أتباعك الذين يقدمون هذه الهدايا لك!”

بخطوات مدروسة، اقتربت من ألسنة اللهب الهادرة في المحرقة، كما تفعل الأم مع طفلها، بلا خوف وبحب مطلق فقط.

دون تردد، أدخلت يديها في الجحيم الحارق، حيث غطى طقطقة النيران على الصرخات المؤلمة للقرابين المقيدة إلى العمود. وبينما كانت يداها تغوصان في قلب الحريق، استعادت شيئاً مخفياً في أعماقه، ولم يظهر على تعبيرات وجهها أي ألم أو انزعاج. وبحركة سريعة، سحقت الطباشير بين أصابعها وضربته في عينيها. كانت يداها نقيّتين، بلا حروق، ولم يلحق بها أي ضرر من حاكمها. وهل سيصيبها؟ ألم تكن محبوبة من قبل الأب والابن؟

بعينين مثبتتين على النيران، بقيت بلا حراك. وبينما كانت النيران ترقص أمامها، سمحت لحاكمها أن يدخل فيها، ويعبث بها كما تراه مناسباً.

إن كنت تقرأ هنا بعيدًا عن مَـجـرّة الرِّوايَات، فالمحتوى على الأغلب مأخوذ من مصدره الأصلي.

مع كل خطوة، بدا أن النيران تنحسر أمامها، وكانت ألسنتها النارية تلعق الهواء لكنها تبتعد عنها. وبينما كانت تقترب، شعرت بذلك مرة أخرى، كان حاكمها يتغلغل بداخلها.

اندفعت برأسها إلى قلب الجحيم، ولم يمس جسدها الحرارة الحارقة التي أحاطت بها. وفي أعماق النيران، شاهدت رؤية، وقد باركها حاكمها مرة أخرى.

خرجت أربعة خنازير صغيرة من البقايا المتفحمة لأمها، وكانت شهيتهم النهمة تدفعهم للوليمة على لحمها. بعيون لامعة وأسنان تصطك، تقاتلوا فيما بينهم من أجل الغنائم، يزمجرون ويعضون بعضهم البعض.

عالياً في الأعلى، حلق نسر عبر السماء الحمراء. وبمخالب ملطخة بالقرمزي من دماء فريسته، أطلق صرخة خارقة تردد صداها في الهواء، نداء بدائي للحكام أنفسهم قبل أن يغوص لأسفل.

ثم توقف الحلم ولم تظهر لها النار المزيد. لكن ذلك كان كافياً، فقد أظهر لها الحكام الطريق مرة أخرى. سيفرح السلطان! أخبرت الشعلة بنجاحه مرة أخرى حيث سينقض مثل النسر على أعدائه. كانت تعلم أن السلطان يثق بها. منذ اليوم الذي منحته فيه رؤيتها الأولى، لم يكن للسلطان عيون إلا عليها.

“ستهاجم الخنازير الأفعى، وسينال الرمل الساخن حقه ويبصق العظام مرة أخرى، ستخرج الآفات والذباب من فم الصياد، حيث يكمن لحم الخنزير الطري”.

قيل ذلك للسلطان من قبل، والكلمات تخرج من فمها. ضحك النبلاء، وعبس الكهنة من غطرستها، لكن السلطان ابتسم. كان يشعر بذلك في دمه، وفهم رابطها مع الحاكم ومنحها على الفور لقب الكاهنة العليا.

كان لقباً يدوم حتى الموت وكان مشغولاً بالفعل… لكن هذا لم يوقف السلطان، فكل ما تطلبه الأمر هو تلويحة واحدة من يده لمنح اللقب وسلب الأرواح. الرهبة التي شعر بها تجاهها سرعان ما تحولت إلى رغبة. لقد رغبت به، ابن حاكمها، أراد أن يتحد معها ورمت بنفسها عليه. شعرت بذلك في أحشائها، نتيجة اتحادهما، كان نسل الحاكم بداخلها، وستكون سلالتهما مباركة.

والآن لديها وحي آخر لتقدمه لحبيبها، وكانت تشعر برغبتها في صراخ ذلك في وجهه قبل أن تضطجع مع ابن حاكمها. صولجانه يباركها مرة أخرى بينما تغوص عيناه الرماديتان بداخلها. أرادته، وسوف تحصل عليه.

وفي صحوتها جلبت هديتيها، ابناً ورؤية لعدو حبيبها يسقط تحت مخالبه. كان حقاً يوماً مباركاً لها.

التالي
21/1٬136 1.8%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.