الفصل 341
الفصل 341
تموج الأفق مثل الأمواج في بحر هائج، لكن لم تكن المياه هي التي امتدت بلا نهاية أمام مدينة الكاهس، بل كانت الخيول. حشد هائل لا ينقطع من الفرسان فوق جيادهم، يبلغ عددهم أربعين ألفاً، وتتراقص أعراف خيولهم كأجنحة مظلمة في الرياح الجافة. استهلكت كتلتهم الهائلة السهول، وداسوا العشب حتى صار تراباً، وامتلأ الهواء بالغبار الذي أثارته حوافر لا تعد ولا تحصى.
كان مشهداً لم تشهده المدينة من قبل، وحدق الناس على أسوارها بصمت مذهول، وقلوبهم مستسلمة للرهبة والفزع. في تاريخهم الطويل، رأوا قراهم تُداهم من قبل بعض لوردات الخيل، ومع ذلك لم يروا مثل هذه الأعداد قط، والأسوأ من ذلك أنهم لم يكونوا هنا لمجرد النهب. فالذي يقودهم، في نهاية المطاف، قد سمى نفسه خان كل الخانات.
ومع ذلك، لم يكن هؤلاء الفرسان أقل قسوة من سابقيهم. تُركت القرى المنتشرة في الريف كقشور مدخنة، ودُمرت منازلهم، واستُعبد الناس، وتعرضت النساء للاعتداء. أما أولئك الذين رفض لوردهم الانحناء لفرسان الخيل، فقد وجدوا حقول رعاياهم مملحة وآبارهم مليئة بالجثث.
من فوق سور الكاهس، استطاع المدافعون عن المدينة رؤية أعدادهم التي لا تُحصى. جلس الفرسان أنفسهم بشموخ وفخر في سروجهم، ووجوههم محجوبة بالأوشحة، وعيونهم مثل الفحم الأسود. لمعت الأسلحة بجانبهم؛ سيوف منحنية ورماح وأقواس مع جعب مليئة بالسهام.
توقف الحشد خارج مدى السهام مباشرة، وضغط عددهم الهائل على حواس المراقبين. لم يكن مجرد جيش، بل كان قوة من قوى الطبيعة، عاصفة تلتهم كل شيء في طريقها، ولا تتنازل حتى عن ترك العشب في حاله، حيث اعتادوا ترك جيادهم تطعم نفسها.
قبل ثلاثة أسابيع، خرج سلطان أزانيا، متزيناً بفخامة مكانته وراكباً أفضل جياده، لمقابلة الحشد في المعركة. ابن حاكمهم، يركب أخيراً لوضع حد للخيول التي لا تعد ولا تحصى والتي خربت أرضهم.
ومع ذلك، انهار الإيمان في مواجهة الواقع. جيوش السلطان، الفخورة والقوية، ابتلعتها ضراوة الحشد بالكامل. وعندما هدأ الغبار، لم يكن للسلطان أثر.
وسرعان ما حملت الرياح نفسها أخبار مصيره، وكان الخان العظيم هو رسولها، حيث كان رمحه الشاهق يحمل رأس السلطان المقطوع. تمايلت تلك الكأس العظيمة مع كل خطوة من جواد الخان، وكان من المستحيل أن يخطئها كل من وقعت عيناه عليها. اللحية التي سُرحت بعناية حتى في الموت، والأنف المقوس العالي؛ ملامح مألوفة جداً لأولئك الذين ركعوا يوماً بتبجيل لسلطانهم.
كسر هذا المشهد إرادة مدينة تلو الأخرى، ولورد تلو الآخر. النبلاء الذين شاركوا السلطان النبيذ، والذين جثوا في بلاطه، لم يستطيعوا إنكار الحقيقة أمامهم. لقد هلك مختار حاكمهم.
أرسل الخان مطالبه إلى كل مدينة في طريقه. كان هناك أمران مطلوبان لتبقى البوابات قائمة: النساء، لإرضاء الفرسان الجائعين لغزواتهم، والذهب، لتضخيم خزائن الخان وإعلان سيادته. أما أولئك الذين ترددوا فقد تم جعلهم عبرة، حيث تحطمت أسوارهم، وقُطعت أوصال شعبهم بواسطة الخيول، ومن بقي حياً صار عبداً لهم.
وهكذا، امتد ظل الحشد ليقترب أكثر فأكثر، ملتهماً السهول والقرى وكبرياء أولئك الذين وقفوا يوماً متحدين.
ولحسن حظ مواطني الكاهس، كان لوردهم رجلاً عملياً يسعى للنجاة، غير مثقل بالغطرسة التي أدت بالآخرين إلى الهلاك. عندما وقعت عيناه على رأس السلطان المغروس في رمح الخان، لم يتردد في التحرك. جمع حاشيته الأكثر ثقة، وخرج لمقابلة الحشد، ليس في معركة بل في استسلام.
عند حافة السهول، وأمام التجمع الهادر لأربعين ألف فارس، ترجل عن حصانه. بيدين مرتجفتين ورأس منحني، قدم قربانه: خمسة آلاف امرأة شابة، تخفي أوشحتهن وجوهاً ملطخة بالدموع، وخمسة صناديق تفيض بالذهب والفضة، محتوياتها شهادة متألقة على الخضوع.
راقب الخان العظيم، من فوق حصانه الحربي الأسود، المشهد ببرود بينما جثا اللورد أمامه. ساد صمت فوق السهول، لم يقطعه سوى شخير الخيول القلق وهمس الرياح. ثم جاء الإعلان: أصبح لورد الكاهس الآن تابعاً للخان العظيم، وقد نجا من غضب الحشد مقابل قرابينه.
ومع صدور المرسوم، اندلع الفرسان في زئير يصم الآذان، صرخة حربهم، “أشالاه-أشالاه!” التي اجتاحت السهول مثل موجة مد وجزر. تردد صدى الصوت عبر الأرض، مغرقاً كل الضوضاء الأخرى ومرسلاً قشعريرة من الرعب في نفوس سكان المدينة.
تكررت عشرات اللقاءات المماثلة عبر سهول وصحاري أزانيا. وحيثما سقط ظل الحشد، تكررت القصة نفسها باستثناء قلة من الحالات التي جُعلت عبرة. حنت مدينة تلو الأخرى ركبتيها، مقدمة بناتها وكنوزها في محاولات يائسة للرحمة. وبحلول نهاية الحملة، كان بإمكان فرسان الخان التفاخر بغنائم كافية تجعل كل رجل يطالب بزوجهين بسهولة، بينما انتفخت خيامهم بثروات مئة بلدة محتلة.
لكن رغم كل الذهب والفضة والنساء التي تدفقت إلى معسكراتهم، لم تكن هذه الجوائز هي المحرك الحقيقي للخان العظيم أوغولاي. امتدت طموحاته إلى ما هو أبعد بكثير من غنائم الحرب العابرة. ما كان أوغولاي يسعى إليه لم يكن مجرد نهب، بل السيادة. لم يكن مجرد قائد لعصابة محاربة، يشبع الجوع العابر لمحاربيه؛ بل كان غازياً ذا رؤية وهدف واحد. وحيث سرق أسلافه الذين لا يحصون الثروات، سرق أوغولاي الأرض.
ومع كل مدينة استسلمت، ومع كل لورد تذلل أمام رمحه، نسج أوغولاي التحالفات. لوردات أزانيا، الرجال الذين أقسموا يوماً بالولاء للسلطان، أقسموا الآن بالولاء للخان.
ومع وصول الحملة إلى ذروتها، أصبحت أزانيا —التي كانت لفترة طويلة تفاحة شائكة هائلة تقف ضد تقدم حشد الخيول— مجردة الآن من دفاعاتها، وناضجة للاستيلاء عليها. لم يسعَ أوغولاي لمجرد كسر الأرض؛ بل سعى لإعادة تشكيلها تحت حكمه.
أصبحت الولايات الجنوبية، التي ازدهرت يوماً كحصون للتحدي والتجارة، اللقيمات الأولى في مأدبة الخان. مثل حواف قطعة كبيرة من اللحم، قُضمت بعيداً، وأُخضع شعبها، وابتُلعت مدنها في الإمبراطورية النامية حديثاً. بالنسبة لأوغولاي، لم يكن هذا مجرد غزو، بل كان نداءً لجميع إخوته عبر السهوب الذين أصبح لديهم الآن موطن يمكنهم المطالبة به كملك لهم، طالما ذهبوا وخدموا حاكمه، أوغولاي. لم تعد الأرض واللوردات والشعب ملكاً لأزانيا، بل أصبحوا الآن ملكاً للخان، في نظام جديد أغرق القارة الغربية بأكملها فعلياً في ظلال الحرب الشاملة.
كان الخان المسؤول عن كل هذا، أوغولاي، رجلاً يفرض حضوره التبجيل والخوف. في أواخر الخمسينيات من عمره، حمل جسده آثار عقود قضاها في بوتقة الهاوية التي لا تعرف القانون، وهي بارثاي. تلك المنطقة الوحشية، وهي عالم كان البقاء فيه فناً وشهادة على إرادة المرء، صقلته ليصبح شيئاً أكثر من مجرد رجل؛ تجسيداً حياً لروح الحشد التي لا تقهر.
لم يعرف السلام قط، وكان الخمول بالنسبة له سماً، والعنف هو معرفته الوحيدة، لغته، حبه، كرهه واهتمامه، مع كون سفك الدماء هو الوسيلة لإظهارها.
كان وجهه خريطة من الخطوط القاسية والجلد المتهالك، الذي حفرته رياح السهوب اللافحة والشمس الحارقة في الأعلى. لحية شيباء، تتخللها خيوط فضية، أطرت فكه مثل عرف مفترس.
لسنوات، نجا أوغولاي في فوضى بارثاي. وبحلول نهايتها، برز كخان الخانات، موحداً العديد من العشائر المتحاربة، وقطاع الطرق القساة، والبدو اليائسين في قوة واحدة؛ الكثير منهم بالطبع وليس الجميع، فمقابل كل عشيرة انحنت له، تحركت اثنتان أخريان عبر السهوب بعد هزيمتهما.
لم يكن صعوده من خلال حق المولد أو الحظ، بل بقوة ذراعه، وحدة عقله، وقوة إرادته التي لا تلين. الآن، وتحت رايته، هدر أعظم حشد شهده العالم عبر الأرض؛ أربعون ألف غازٍ مذهل لا يربطهم الخوف فحسب، بل ولاء شرس لخانهم.
كان هو نفسه محاطاً في جميع الأوقات بالمحاربين، أبناؤه بالدم أو بالعهد، الذين تبعوه بإخلاص هز الأرض تحت حوافرهم. تردد صدى صرخات معاركهم كالعواصف عبر الجبال، وجفف عطشهم الأنهار، وترك جوعهم سهولاً كاملة قاحلة.
لكن طموحات أوغولاي لم تكن مقيدة بالسهوب. لم يكن مجرد لورد خيل يسعى لانتصارات عابرة أو نهب مؤقت. ما سعى أوغولاي للسيادة عليه هو شيء لم يطالب به أي لورد خيل من قبل: الأرض نفسها.
لم يكن مكتفياً بمجرد الغزو، بل سعى للحكم. بالنسبة لأوغولاي، لم تكن أراضي الرمال مجرد فريسة؛ بل كانت كؤوساً يجب الاستيلاء عليها وممالك يجب صياغتها. امتد الإرث الذي تصوره إلى ما هو أبعد بكثير من صرخات المعركة العابرة؛ لقد كان إرثاً من القوة، والديمومة، والسلطة التي لا تلين.
لقد كان صانع الإمبراطوريات الذي يرغب في منشئ سلالة تستمر من بعده، وألا يكون مجرد واحد من الأسماء الكثيرة التي ابتلعتها أرض الخيول.

تعليقات الفصل